في خطوة مثيرة للجدل، يدرس جيش الاحتلال الإسرائيلي توسيع قاعدة تجنيده عبر السماح لأصحاب الملف الطبي رقم 64 بالانضمام إلى الوحدات القتالية، رغم أن هذه الفئة تضم أفرادًا يعانون إعاقات أو مشكلات صحية تمنعهم من أداء المهام العسكرية التقليدية، وهي خطوة تأتي في ظل نقص حاد بالقوى القتالية، ما أثار موجة من الاعتراضات داخل الأوساط الطبية والعسكرية، الذين يرون أنها قد تعرّض صحة الجنود للخطر.
الملف 64
يعد الملف الطبي 64 أحد التصنيفات الطبية المستخدمة في جيش الاحتلال الإسرائيلي لتحديد مدى أهلية المجندين للخدمة العسكرية، ويشمل هذا التصنيف أولئك الذين يعانون مشكلات صحية مزمنة، مثل أمراض القلب، اضطرابات الجهاز العصبي، وأمراض الجهاز العضلي الهيكلي، ما يجعلهم غير مؤهلين للقيام بمهام قتالية شاقة.
وعلى مدار عقود، اعتبر هذا الملف بمثابة "بطاقة إعفاء" جزئية أو كلية من الخدمة العسكرية القتالية، إذ كان حاملوه يُخصصون عادة لأدوار إدارية أو لوجستية داخل الجيش، ما جعل القرار الجديد موضع تساؤل من قبل الأطباء والمجندين المحتملين.
خطة مثيرة للجدل
في تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واي نت"، تبيّن أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواجه أزمة في القوى القتالية، ما دفعه للنظر في إمكانية إشراك أصحاب الملف 64 في مهام محددة ضمن الوحدات القتالية، بحسب مصادر عسكرية، فإن هؤلاء الأفراد سيتم تعيينهم وفقًا لمعايير معينة، وليس ضمن كل المهام القتالية.
وأكد طبيب عسكري خدم في جيش الاحتلال لمدة عشرين عامًا، أن هذا القرار قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية للجنود، مشيرًا إلى أن تصنيف الملف 64 يعني أن الفرد يعاني مشكلات صحية تستوجب استبعاده من القتال المباشر، ووفق "يديعوت أحرنوت".
وأضاف: "الجندي المصاب بانزلاق غضروفي مثلًا، إذا طُلب منه الركض والهجوم، قد تتفاقم حالته بشكل خطير، كما أن الجندي الذي يتناول مميعات دم لا يمكنه الانخراط في المعارك، إذ قد يتعرض لنزيف حاد حال إصابته".
اتهامات بالتمييز
أثار القرار المحتمل استياءً واسعًا، إذ اعتبر البعض أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يبحث عن حلول عادلة لأزمة القوى العاملة، بل يتجه إلى تجنيد الفئات غير المؤهلة طبيًا، في حين أن هناك فئات أخرى من المجتمع لا تزال معفاة من الخدمة العسكرية بالكامل، وصرّح أحد المعترضين: "إذا كان الجيش بحاجة إلى جنود إضافيين، فهناك فئات كاملة لم تُجند بعد، ومن خلال إشراكهم، يمكن تشكيل فرق قتالية جديدة دون الحاجة للمخاطرة بصحة الجنود".
من جهة أخرى، يرى بعض المؤيدين للقرار أنه يمكن تحسين الكفاءة التشغيلية للجيش عبر تخصيص أدوار تتناسب مع طبيعة المشكلات الصحية لأصحاب الملف 64، مثل المهام الاستخباراتية أو التشغيل عن بعد، بدلًا من استبعادهم تمامًا.
تحذيرات طبية
البروفيسور نحمان آش، رئيس المعهد الوطني لأبحاث السياسات الصحية، كبير الأطباء السابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي، شدد على ضرورة التعامل مع هذه المسألة بحذر ومسؤولية، قائلًا: "صحة الجنود يجب أن تكون الأولوية القصوى، ويجب فحص الإعاقات الطبية بشكل دقيق لضمان عدم اتخاذ قرارات قد تضر بالجنود".
وفي سياق متصل، أبدى البروفيسور أرنون أفيك، عميد كلية الطب في جامعة رايخمان، الرئيس السابق لفرع الطوارئ الطبية في جيش الاحتلال، رأيًا مماثلًا، موضحًا أن القرار يجب أن يكون مدروسًا بدقة وليس عامًا.
وأضاف: "لن يتم إرسال متلقي زراعة الكلى مثلًا إلى دورية جولاني، بل سيتم فحص كل حالة على حدة لضمان المواءمة بين الملف الطبي وطبيعة الخدمة العسكرية".
تأثير القرار على الوضع العسكري
يأتي هذا القرار في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي نقصًا حادًا في عدد الجنود المقاتلين، خصوصًا بعد التوترات الأمنية الأخيرة والتوسع في العمليات العسكرية، وتشير التقديرات إلى أن الجيش يحتاج إلى آلاف الجنود الإضافيين لتعويض الخسائر البشرية وتلبية متطلبات الجبهات المختلفة.
من جهة أخرى، يطرح خبراء عسكريون تساؤلات حول ما إذا كان تجنيد أصحاب الملف 64 سيعزز فعليًا القدرات القتالية للجيش، أم أنه سيؤدي إلى زيادة الأعباء اللوجستية والطبية داخل الوحدات القتالية.
فيما تتصاعد ردود الفعل، أكد مكتب المتحدث باسم جيش الاحتلال، أن الخطط لا تزال في مرحلة الدراسة، إذ أوضح في بيان رسمي: "يجري حاليًا فحص إمكانية السماح لأفراد من ذوي الإعاقات المصنفة ضمن الملف 64 بأداء أدوار قتالية في بعض الحالات المحددة، لكن لم يُتخذ أي قرار نهائي بعد".