في واحدة من أكثر النزاعات تأثيرًا وإثارة في القرن الحادي والعشرين، شنّت الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة من الحروب التجارية مع الصين وسط تهديدات متبادلة وتصعيد مستمر، وفي تقرير لصحيفة "بوليتيكو" الأمريكية، سلّط الضوء على عودة الحديث عن مواجهة جديدة بين البلدين، ومدى قدرة هذه الحرب على إخضاع القادة الكبار وتحويل مسار العلاقات الدولية.
البداية والتصعيد
خلال فترة ولايته الأولى، أطلق دونالد ترامب حربًا تجارية غير مسبوقة ضد الصين استمرت لعامين، وبدأ الأمر بتهديداته بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 60% على الواردات الصينية لتقليص العجز التجاري، وتصعيدها إلى فرض تعريفات إضافية في حال استمرت الصين في شحنات الفنتانيل أو محاولاتها لإنشاء عملة منافسة للدولار.
هذه التهديدات لم تكن مجرد تصريحات سياسية، بل دخلت حيز التنفيذ بسرعة، حيث فرضت الولايات المتحدة موجة أولى من التعريفات في فبراير من العام الأول لرئاسة ترامب.
ردت الصين بالمثل، ما أدى إلى زيادة الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية، وبلغت الحرب ذروتها عندما تضاعفت معدلات الرسوم الجمركية الصينية ثلاث مرات تقريبًا، بينما زادت الرسوم الأمريكية بمقدار ستة أضعاف، هذه المواجهة تركت أثرها بوضوح، إذ أضرت بالشركات الأمريكية، ورفعت التضخم، واهتزت الأسواق العالمية.
ورغم توصل الطرفين إلى اتفاقية "المرحلة الأولى" التي تضمنت بعض التغييرات التنظيمية البسيطة من الجانب الصيني، إلا أن الجهود للوصول إلى اتفاقية شاملة فشلت، ومع انتشار جائحة كورونا، أُغلقت الحدود، وتفاقمت التوترات بين البلدين مع تبادل الاتهامات بشأن مصدر الفيروس.
الرؤية السياسية لترامب وشي
أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية فردية للصراع، تعتمد على "نظرية الرجل العظيم"، فبالنسبة له، العلاقات الدولية ليست سوى منافسة بين زعماء أقوياء، يمكن التأثير عليهم بالإطراء والتهديدات، وتجلت هذه الرؤية عندما استضاف الرئيس الصيني شي جين بينج في منتجعه "مار إيه لاجو"، حيث حاول ترامب إظهار القوة الأمريكية بإطلاق صواريخ على سوريا أثناء تناولهما العشاء.
على الجانب الآخر، اعتبر الرئيس الصيني شي جين بينج أن القوى الاقتصادية هي التي تشكّل القادة وليس العكس، ومع ذلك، كان لـ"شي" طموح كبير لتحقيق "حلم الصين"، وهو رؤية لإعادة إحياء الأمة الصينية وتعزيز نفوذها العالمي.
وبينما سعى ترامب لتقديم تنازلات، أصر "شي" على الحفاظ على مصالح الصين الاستراتيجية، مؤكدًا أن العلاقات الثنائية يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل وليس الإملاءات.
التكنولوجيا ساحة المعركة الجديدة
خلال الحرب التجارية الأولى، كان التركيز الأساسي لترامب على تقليص العجز التجاري عبر إجبار الصين على شراء المزيد من السلع الأمريكية، لكن مستشاريه للأمن القومي أدركوا أن التفوق التكنولوجي هو محور الصراع الحقيقي مع الصين، لذلك، ركّزت الإدارة الأمريكية على عرقلة تقدم الصين في مجالات مثل شبكات الجيل الخامس وأشباه الموصلات.
من جانبه، اعتبر "شي" أن التكنولوجيا هي المفتاح لتحقيق طموحات الصين العالمية، ولهذا السبب، رفضت الصين تقديم أي تنازلات جوهرية تتعلق بخططها التكنولوجية، مثل استراتيجية "صنع في الصين 2025" التي تهدف إلى جعل الصين رائدة عالميًا في عشر صناعات تكنولوجية أساسية، كما سعت الصين إلى حماية أسواقها المحلية وتعزيز استقلاليتها التكنولوجية، رغم الضغوط الأمريكية.
مخاطر الحرب المقبلة
مع استعداد ترامب لإطلاق جولة جديدة من الحرب التجارية، يبدو أن كلا الزعيمين أكثر تمسكًا بمواقفهما، إذ عزّز ترامب سلطته الداخلية بعد فوزه بالانتخابات الأخيرة، بينما وسّع "شي" سلطاته داخل الصين، حيث بدأ ولايته الثالثة وحشد حلفاءه في المناصب العليا.
لكن كلا القائدين يواجهان حواجز اقتصادية يمكن أن تحد من قدرتهما على التصعيد، بالنسبة لترامب، تظل سوق الأسهم الأمريكية أداة مؤثرة في قراراته، حيث يتأثر موقفه السياسي بشكل كبير بردود أفعال الأسواق.
أما بالنسبة لـ"شي"، فإن الاقتصاد الصيني يعاني من تباطؤ في النمو، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وأزمات داخلية في قطاع العقارات، ما يجعله أكثر حذرًا في مواجهة العواقب الاقتصادية للحرب التجارية.
ملامح المواجهة
رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، يبدو أن الحرب التجارية الثانية بين الصين وأمريكا أصبحت وشيكة، ومع تصاعد التوترات حول قضايا التكنولوجيا والتجارة، من المتوقع أن تكون هذه الجولة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا من السابقة، ما يمكّنها فرض تأثير على الاقتصاد العالمي، وقد تكون قادرة على فرض تنازلات من أحد الطرفين.
إذ يشير الواقع إلى أن هذه المواجهة لن تكون مجرد نزاع اقتصادي، بل صراع بين رؤيتين مختلفتين للعالم، ستحدد نتائجهما مستقبل النظام العالمي لعقود مقبلة.