يتنامى تأثير الذكاء الاصطناعي، الذي يتطور بشكل مذهل، في جميع مناحي الحياة، ومنذ فترة طويلة حذّر خبراء من أن المحتوى الناتج باستخدامه يمكن أن يؤدي إلى تشويش فهم الأشخاص للواقع، لصعوبة التمييز ما إذا كان المحتوى الذي يرونه حقيقًيا أم مزيفًا، وبعد أسابيع من عام حاسم، يرتفع الارتباك الناجم عن الذكاء الاصطناعي.
كان السياسيون في جميع أنحاء العالم يتخلصون من الأدلة التي قد تكون دامغة "كلقطات فيديو مشوشة لبعض اللقاءات"، وتسجيلات صوتية تنتقد المعارضين السياسيين، من خلال رفضها بالزعم أنها "مزيفة من إنتاج الذكاء الاصطناعي"، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
الشهر الماضي، رفض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إعلانًا على شبكة فوكس نيوز، يتضمن فيديو لأخطائه العلنية الموثقة، بما في ذلك صعوبته في نطق كلمة "مجهول" في ولاية مونتانا، زاعمًا أن اللقطات تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وكتب "ترامب" على منصة "تروث سوشيال"، إن المنحرفين والخاسرين في مشروع لينكولن الفاشل الذي تم حله سابقًا وغيرهم، يستخدمون الذكاء الاصطناعي في إعلاناتهم المزيفة من أجل جعلي أبدو سيئًا ومثيرًا للشفقة مثل "المحتال" جو بايدن، مضيفًا: "لا بنبغي لفوكس نيوز عرض هذه الإعلانات".
وسرعان ما نفى مشروع "لينكولن"، وهو لجنة عمل سياسية شكلها جمهوريون لمعارضة ترامب، هذا الادعاء، مشيرًا إلى أن الإعلان تضمن حوادث وقعت خلال رئاسة ترامب تمت تغطيتها على نطاق واسع في ذلك الوقت.
وقالت ليبي لانج، محللة في منطقة جرافيكا لتتبع المعلومات المضللة، إن الذكاء الاصطناعي يقوّض مفهوم الحقيقة نفسه، مضيفة: "إذا كان كل شيء قد يكون زائفًا، وإذا كان الجميع يدعي أن كل شيء مزيف أو تم التلاعب به بطريقة ما، فلن يكون هناك أي إحساس بالحقيقة على أرض الواقع. ويمكن للجهات الفاعلة ذات الدوافع السياسية، على وجه الخصوص، أن تتبنى أي تفسير تختاره".
كبش فداء
لا يعد ترامب وحيدًا في اغتنام هذه الميزة، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي، كبش فداء للسياسيين الذين يحاولون درء الادعاءات الضارة ضدهم.
في أواخر 2023، ظهر مقطع فيديو لسياسي تايواني من الحزب الحاكم، وهو يدخل فندقًا مع امرأة، ما يشير إلى أنه كان في علاقة غرامية، إلا أن الذكاء الاصطناعي كان كبش فداء هذه المرة أيضًا، إذ دافع عنه المعلقون والسياسيون بأنها لقطات منتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما لم يتضح ما إذا كان كذلك بالفعل.
وفي أبريل من العام نفسه، تم تسريب، تسجيل صوتي مدته 23 ثانية، بدا فيه سياسي في ولاية تاميل نادو بجنوب الهند، يتهم حزبه بجمع 3.6 مليار دولار بشكل غير قانوني، إلا أنه نفى صحة التسجيل، وقال إنه منشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما قال الخبراء إنهم غير متأكدين ما إذا كان الصوت حقيقيًا أم مزيفًا.
ورغم ذلك لا يمكن تجاهل هذه الإدعاءات، لأن التزييف العميق للذكاء الاصطناعي أصبح أكثر شيوعًا الآن، وأفضل في تقليد صوت الشخص ومظهره، وبالفعل تنتشر مقاطع منتجة باستخدام Deepfakes ، على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، فإن الأدوات والأساليب المستخدمة لتحديد الوسائط التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تواكب التقدم السريع في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء مثل هذا المحتوى.
صور مزيفة
وبالفعل تعرّض ترامب لانتشار صور مزيفة عدة مرات هذا الشهر، إذ نشر الممثل مارك روفالو صورًا مدعومة بالذكاء الاصطناعي لترامب مع فتيات مراهقات، مدعيًا أن الصور أظهرت الرئيس السابق على متن طائرة خاصة يملكها مرتكب الجرائم الجنسية المدان جيفري إبستين، قبل أن يعتذر في وقت لاحق.
وقال ترامب في تعليق عبر منصة "تروث سوشيال"، منتقدًا الذكاء الاصطناعي بعد الحادث: "هذا هو الذكاء الاصطناعي، وهو خطير جدًا على بلدنا!".
تقرير "واشنطن بوست"، أشار إلى القلق المتزايد بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على السياسة والاقتصاد العالمي، الذي كان موضوعًا رئيسيا في مؤتمر قادة العالم والمديرين التنفيذيين في دافوس بسويسرا، الأسبوع الماضي.
ووصفت الرئيسة السويسرية فيولا أمهيرد، الدعاية التي يولدها الذكاء الاصطناعي والأكاذيب بأنها "تهديد حقيقي" لاستقرار العالم، "خاصة اليوم عندما يساهم التطور السريع للذكاء الاصطناعي في زيادة مصداقية مثل هذه الأخبار المزيفة".
وتتطلع شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى إنشاء أنظمة للتحقق تلقائيًا من المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، لكنها لم تفعل ذلك بعض، وفي الوقت نفسه يعتمد الخبراء على التكنولوجيا والخبرة لتحليل الوسائط وتحديد ما إذا كانت حقيقة أو مزيفة.
وهذا يجعل عددًا محدودًا من الأشخاص القادرين على التحقق من المحتوى الذي تم إنشاؤه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي متاحة وسهلة الاستخدام لأي شخص تقريبًا.