الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

من تأمين الحدود إلى صدام المدن.. كيف تحولت أزمة الهجرة إلى عبء على ترامب؟

  • مشاركة :
post-title
لافتة دعائية تسخر من سياسات الرئيس ترامب التي أدت لارتفاع أسعار الوقود

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

لم تكن أزمة الهجرة في الولايات المتحدة مجرد شعار انتخابي ساعد الرئيس دونالد ترامب على العودة إلى البيت الأبيض، بل كانت أحد الأعمدة الرئيسية التي بنى عليها حملته، متعهدًا بتأمين الحدود الجنوبية وتنفيذ أكبر عملية ترحيل جماعي في تاريخ الولايات المتحدة.

لكن بعد نحو عامين من عودته إلى السلطة، وجد الرئيس الجمهوري نفسه أمام مفارقة سياسية؛ فبينما نجحت إدارته في خفض عمليات العبور المسجلة على الحدود إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، تحولت عمليات الترحيل والمداهمات داخل البلاد إلى مصدر للاحتجاجات والصدامات مع السلطات المحلية، وأثارت تساؤلات بشأن حدود استخدام القوة الفيدرالية والتداعيات الاقتصادية لسياسات إنفاذ قوانين الهجرة.

جاءت انتخابات التجديد النصفي لتكشف حجم الضغوط التي واجهها الجمهوريون، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، وحققوا اختراقات في ولايات جمهورية تقليدية. ورغم أن النتائج لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد، فإن حملة الهجرة التي كانت من أبرز مصادر القوة الانتخابية لترامب أصبحت بدورها إحدى ساحات المواجهة التي واجهت فيها إدارته اعتراضات من ناخبين مستقلين وقطاعات من الأمريكيين من أصول لاتينية، بل ومن شخصيات داخل الحزب الجمهوري نفسه.

من الحدود إلى المدن

استندت عودة ترامب إلى البيت الأبيض إلى حالة الاستياء التي سادت قطاعات واسعة من الأمريكيين إزاء ارتفاع أعداد المهاجرين الوافدين عبر الحدود الجنوبية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، بعدما سجلت المواجهات الحدودية نحو 250 ألف حالة في ديسمبر 2023، وفق بيانات الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.

وبعد عودته إلى السلطة، اتجه ترامب إلى تشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، وتقليص مسارات اللجوء، وتوسيع عمليات الاحتجاز والترحيل، وهي سياسات انعكست سريعًا على أعداد العابرين للحدود. ووفقًا لبيانات مركز "بيو" للأبحاث المستندة إلى إحصاءات السلطات الحدودية، سجلت دوريات حرس الحدود أقل من 10 آلاف مواجهة شهريًا على الحدود الجنوبية منذ فبراير 2025، وهي مستويات لم تشهدها البيانات المتاحة منذ أكثر من نصف قرن.

لكن النجاح في خفض العبور لم ينهِ ملف الهجرة، بل نقل مركز الصراع تدريجيًا إلى داخل الولايات المتحدة، حيث توسعت عمليات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في المدن والمجتمعات التي تضم تجمعات كبيرة من المهاجرين.

ووفقًا لتحليل معهد سياسات الهجرة الأمريكي (Migration Policy Institute)، الذي استند إلى بيانات وزارة الأمن الداخلي (DHS)، نفذت السلطات الأمريكية نحو 980 ألف عملية ترحيل وإعادة خلال الفترة من 20 يناير 2025 حتى 31 يوليو 2026، شملت عمليات نفذتها كل من عملاء الجمارك (ICE) وحماية الحدود (CBP).

ورغم أن 69% من هذه الحالات تعلقت بمهاجرين جرى اعتراضهم في البداية عند الحدود، فإن حصة عمليات الترحيل المرتبطة باعتقالات داخل الولايات المتحدة ارتفعت من 28% خلال عام 2025 إلى 39% في يوليو 2026، كما زاد متوسط عمليات الترحيل الناتجة عن الاعتقالات الداخلية من نحو 8 آلاف شهريًا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الولاية الثانية لترامب إلى 19 ألفًا شهريًا بين مايو ويوليو 2026.

وأشار المعهد إلى أن 61% من عمليات الترحيل، باستثناء حالات الإعادة الفورية عند الحدود، شملت مهاجرين أمضوا عامين على الأقل داخل الولايات المتحدة، وأن 71% من المرحلين ضمن هذه الفئة لم تكن لديهم إدانات جنائية. ما يكشف أن نطاق التنفيذ لم يقتصر على أصحاب السوابق الجنائية، بل امتد إلى مهاجرين أقاموا داخل المجتمع الأمريكي لسنوات طويلة.

قنبلة مينيابوليس

جاء التحول الأكثر حدة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، التي تحولت مطلع العام الجاري إلى مركز للمواجهة بين إدارة ترامب والسلطات المحلية، بعد إطلاق عملية واسعة لإنفاذ قوانين الهجرة تحت اسم (Operation Metro Surge).

وفي يناير، نشرت الإدارة آلاف العناصر الاتحادية في المنطقة، بينهم ما لا يقل عن ألفي عنصر من إدارة الهجرة والجمارك وألف عنصر من حرس الحدود، في عملية وصفتها وزارة الأمن الداخلي بأنها الأكبر من نوعها.

لكن العملية سرعان ما تجاوزت نطاق ملاحقة المخالفات الفردية، لتتحول إلى مواجهة مع السكان والمتظاهرين والسلطات المحلية، وسط انتشار عملاء ملثمين ومسلحين، ومداهمات أثارت مخاوف بشأن استخدام القوة والتنسيق مع الشرطة المحلية.

وجاءت نقطة التحول في 7 يناير، عندما قُتلت المواطنة الأمريكية رينيه جود برصاص أحد عناصر الهجرة الفيدراليين. وبعد نحو أسبوعين، في 24 يناير، قُتل المواطن الأمريكي أليكس بريتي، وهو ممرض في وحدة العناية المركزة يبلغ من العمر 37 عامًا، برصاص عناصر من حرس الحدود خلال مواجهة في المدينة.

وأثارت الواقعتان احتجاجات واسعة، بعدما ظهرت مقاطع مصورة تتعارض مع أجزاء من الروايات الرسمية بشأن ملابساتهما، خصوصًا في قضية بريتي. وامتدت الاحتجاجات إلى مدن أمريكية أخرى.

الترحيل والغذاء

لم تتوقف آثار عمليات الهجرة عند الاحتجاجات والجدل القانوني، بل امتدت إلى قطاعات اقتصادية تعتمد بصورة كبيرة على العمالة المهاجرة، وظهرت التداعيات بوضوح في ولاية كانساس، إحدى أهم مناطق تجهيز اللحوم وتربية الماشية في الولايات المتحدة.

ورصدت "رويترز" اضطرابات في صناعة اللحوم بعدة مدن بعد انتشار عناصر الهجرة الفيدرالية في جنوب غرب الولاية وتنفيذ عمليات تفتيش وتوقيف أثارت مخاوف بين العاملين، وكثير منهم من أصول لاتينية ومهاجرين.

وأدى الخوف من الاعتقال، وفقًا لمنظمين محليين ومسؤولين ومجموعات تمثل منتجي الماشية، إلى غياب أعداد من العمال عن مواقع العمل، ما تسبب في تباطؤ الإنتاج داخل مصانع تجهيز اللحوم وتأخر شحنات آلاف رؤوس الماشية.

وحذرت جمعيات منتجي الماشية في كانساس وأوكلاهوما وتكساس من أن اضطراب العمالة وتأخر الشحنات قد يزيد الضغوط على أسعار اللحوم، التي كانت قد وصلت بالفعل إلى مستويات قياسية نتيجة تراجع أعداد الماشية بعد سنوات من الجفاف وتعليق واردات الماشية من المكسيك.

ما رصدته رويترز كشف عن آثار اقتصادية امتدت إلى المزارع ومصانع المعالجة والمتاجر والمدارس، وسط قلق من أن يؤدي خوف العمال من الاعتقال إلى تعطيل قطاعات تعتمد على وجودهم بصورة أساسية. ما وضع الإدارة أمام مفارقة اقتصادية.

فبينما تحاول خفض تكاليف الغذاء وتحسين القدرة الشرائية للأمريكيين، يمكن أن تؤدي اضطرابات العمالة في بعض المناطق إلى إرباك الإنتاج وسلاسل الإمداد، بما ينعكس على الأسعار التي تشكل أصلًا أحد أكبر مصادر قلق الناخبين.

اللاتينيون.. تحول يقلب الموازين

بعدما نجح ترامب في تحقيق مكاسب انتخابية بينهم في انتخابات 2024، مستفيدًا من الوعود الاقتصادية وتشديد سياسات الهجرة، اكتسبت الخسارة بُعدا أكبر للجمهوريين بسبب التحولات في مواقف الناخبين من أصول لاتينية. حيث أظهر استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث تراجعًا واضحًا في تقييمهم لأداء الرئيس وسياساته.

وقال 62% من المشاركين إن إدارة ترامب تفعل أكثر مما ينبغي في ترحيل المهاجرين الموجودين داخل الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، مقابل 22% اعتبروا أن الإدارة تتعامل مع الملف بالمستوى المناسب، و14% رأوا أنها لا تفعل ما يكفي.

كما قال 70% إن سياسات الإدارة ألحقت ضررًا باللاتينيين، مقابل 12% رأوا أنها أفادتهم، بينما اعتبر 61% أن أوضاع الأمريكيين من أصول لاتينية أصبحت أسوأ مقارنة بالعام السابق.

وانخفضت نسبة الموافقة على أداء ترامب بين هذه الفئة إلى 24%، مقابل 38% في فبراير 2025، وفقًا للاستطلاع نفسه.

لكن النتائج تكشف أيضًا أن الموقف من الهجرة لم يكن موحدًا داخل الجالية اللاتينية؛ إذ قال 30% ممن صوتوا لترامب في 2024 إن إدارته تبالغ في عمليات الترحيل، بينما ظل أغلبية هؤلاء أكثر قبولًا لنهجه أو يرون أنه لا يفعل ما يكفي.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين تراجع شعبية ترامب وبين انتقال جميع مؤيديه السابقين إلى المعسكر الديمقراطي؛ إذ تُظهر بيانات "بيو" أن نسبة معتبرة ممن أيدوه في 2024 ظلت تميل إلى دعم المرشحين الجمهوريين في انتخابات الكونجرس، رغم انخفاض تقييمها لأدائه.