الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

خمسة آلاف دولار لم تنقذ ترامب.. كيف اصطدمت الوعود المالية بأزمة الثقة؟

  • مشاركة :
post-title
بطاقات دعاية للتصويت في انتخابات التجديد النصفي

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلس الشيوخ الأمريكي مجرد انتكاسة انتخابية أخرى للرئيس دونالد ترامب، بل اختبار لرهانه على تحويل الوعود المالية والمساعدات المباشرة إلى أصوات انتخابية، بعدما وضع نفسه في قلب انتخابات التجديد النصفي، وقدّم خلال الأسابيع الأخيرة حزمة من المدفوعات والمزايا التي استهدفت ملايين الأمريكيين، بالتزامن مع تعهد غير مسبوق بصرف 5 آلاف دولار لكل مواطن بالغ إذا احتفظ حزبه بالسيطرة على مجلسي الكونجرس.

لكن النتائج جاءت على خلاف الرهان؛ إذ انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، بعد الفوز بمقاعد في ولايات مثل تكساس وكارولينا الشمالية والجنوبية وأوهايو وكانساس وأيوا، فيما اتجهت المنافسة على مجلس النواب أيضًا إلى انتقال الأغلبية للديمقراطيين، مع استمرار حسم بعض الدوائر.

وتشير المؤشرات الأولية لاستطلاعات الناخبين بعد التصويت إلى أن الاقتصاد وارتفاع الأسعار كانا في صدارة دوافع الاختيار، بينما لم تكن الوعود المالية وحدها كافية لتغيير تقييم قطاعات واسعة من الأمريكيين لأداء الإدارة.

خمسة آلاف متعثرة

في 9 سبتمبر الماضي، أعلن ترامب خلال المؤتمر الجمهوري الانتخابي في دالاس، بولاية تكساس، أنه سيمنح كل مواطن أمريكي بالغ 5 آلاف دولار إذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بعد انتخابات 3 نوفمبر، واصفًا المبلغ بأنه "توزيع أرباح" (Trump Dividend).

لم يكن الوعد موجهًا إلى الشباب وحدهم، كما جرى تداوله في بعض التغطيات، وإنما شمل جميع الأمريكيين البالغين، بما يقدر بنحو 240 مليون شخص وفق حسابات "رويترز" استنادًا إلى بيانات التعداد السكاني الأمريكي.

وبحساب التكلفة الإجمالية، كان تنفيذ الوعد سيتطلب نحو 1.2 تريليون دولار، أي ما يعادل قرابة 16% من الإنفاق الفيدرالي السنوي، وهو رقم يضع المبادرة في مستوى يتجاوز بكثير برامج المساعدات النقدية المعتادة.

وبرر ترامب الفكرة بإمكانية تمويلها من عائدات الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته على الواردات، لكن تقديرات مكتب الموازنة بالكونجرس (CBO)، أظهرت أن إيرادات الرسوم الجمركية التي دخلت الخزانة بلغت نحو 167 مليار دولار حتى موعد التقدير في السنة المالية المنتهية في سبتمبر 2026، وهو مبلغ لا يقترب من تغطية تكلفة البرنامج.

لم تكن المشكلة مالية فقط؛ إذ كان تنفيذ الخطة يتطلب -وفقًا للدستور الأمريكي- موافقة الكونجرس، ولا يستطيع الرئيس إصدار شيكات بهذا الحجم بقرار تنفيذي منفرد. كما لم يكن هناك مشروع قانون معتمد أو آلية تمويل واضحة تحدد موعد الصرف والفئات المستحقة وكيفية توزيع الأموال.

وهكذا ارتبط أكبر وعد مالي انتخابي لترامب بشرط سياسي لم يتحقق.

شيكات التأمين الصحي.. أموال محدودة

لم يقتصر تحرك إدارة ترامب على الوعود المستقبلية؛ فقد أعلنت أيضًا مدفوعات مباشرة لملايين الأمريكيين قبل الاقتراع، شملت مستفيدين من برنامج الرعاية الصحية (Medicare) ومشتركين في أسواق التأمين التابعة لقانون الرعاية الصحية (Obamacare).

وفي 2 أكتوبر، أعلنت الإدارة دفعة لمرة واحدة بقيمة 90 دولارًا لنحو 20.8 مليون مستفيد من الجزء الثاني للتأمين الصحي (Medicare Part B)، لمساعدتهم في تغطية جزء من أقساط التأمين الشهرية، باستخدام أموال صندوق التحسين (Medicare Improvement Fund) الذي خصص له الكونجرس ملياري دولار.

لكن الدفعة لم تشمل جميع كبار السن أو جميع المسجلين في البرنامج، الذي يضم نحو 70.6 مليون شخص؛ إذ استُبعد المستفيدون الذين يغطي البرنامج أقساطهم، وأصحاب الدخول المرتفعة الذين يسددون رسومًا إضافية، إلى جانب المسجلين في برامج (Medicare Advantage) التي تديرها شركات تأمين خاصة.

وتكتسب محدودية المبلغ أهمية عند مقارنته بالتكلفة الشهرية للتأمين؛ إذ يبلغ القسط القياسي للجزء الثاني 202.90 دولار، ما يعني أن الدفعة الاستثنائية البالغة 90 دولارًا لا تغطي سوى جزء من قسط شهر واحد، ولا تمثل زيادة دائمة في المعاشات أو المزايا الاجتماعية.

أما المبادرة الثانية، فتمثلت في إصدار شيكات بقيمة 500 دولار لنحو 950 ألف شخص يشترون التأمين الصحي عبر المنصة الفيدرالية HealthCare.gov في 30 ولاية، باعتبارها مبالغ مستردة من رسوم قالت الإدارة إنها جُمعت بصورة زائدة خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

لكن هذه المدفوعات لم تشمل جميع المستفيدين من برنامج (Obamacare)، الذين يقدر عددهم بنحو 19 مليون شخص؛ فقد اقتصرت على من اشتروا التأمين دون الحصول على دعم حكومي لتغطية الأقساط، وفي الولايات التي تستخدم المنصة الفيدرالية، بينما استُبعد أصحاب التأمين المدعوم والمقيمون في الولايات التي تدير أسواق تأمين مستقلة.

ووفقًا لتحليل "رويترز" للبيانات الحكومية، يعيش نحو 71% من المؤهلين للحصول على هذه المبالغ في ولايات تشهد انتخابات تنافسية لمجلس الشيوخ أو مناصب الحكام، وهو ما يضفي على توقيت الإعلان عنها دلالة انتخابية، دون أن يثبت وحده أن قواعد الأهلية صُممت لاختيار ناخبين في دوائر بعينها.

وبحسب التحليل، بلغت قيمة المدفوعات المباشرة المعلنة لكبار السن وبعض مشتركي (Obamacare) نحو 2.35 مليار دولار، إلى جانب إعلان ترامب عن دعم استثنائي بقيمة 8 مليارات دولار للمزارعين، في صورة مدفوعات لمرة واحدة لتعويض جزء من الخسائر المرتبطة بارتفاع أسعار وقود الديزل خلال موسم الحصاد.

وجاء إعلان المساعدات الزراعية خلال تجمع انتخابي في كانساس يوم 19 أكتوبر، في وقت شهدت فيه الولايتان الزراعيتان كانساس وأيوا منافستين حاسمتين على مقاعد مجلس الشيوخ، وسط استياء المزارعين من ارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل.

فاتورة المعيشة

لا يمكن فصل محدودية تأثير الوعود المالية عن المشكلة الاقتصادية التي ظلت في صدارة اهتمامات الناخبين الأمريكيين؛ فالمواطن الذي يواجه زيادة مستمرة في نفقات الغذاء والسكن والطاقة والتأمين الصحي لا يقيس بالضرورة أداء الإدارة من خلال دفعة استثنائية، وإنما من خلال قدرته على تحمل التكاليف بصورة مستدامة.

وأظهر استطلاع الناخبين الذي أجرته "أسوشيتد برس" أن نحو ثلثي الناخبين الأمريكيين يرون أن سياسات ترامب أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، مقابل نحو ثلاثة من كل عشرة اعتقدوا أنها حسّنتها. كما قال نحو ثلثي المشاركين إن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة أضرت بالاقتصاد الوطني أو اقتصادات مناطقهم.

وفي استطلاعات الناخبين التي أجرتها مؤسسة SSRS لصالح مجموعة من المؤسسات الإعلامية الأمريكية، اعتبر نحو 9 من كل 10 ناخبين أن تكلفة المعيشة كانت عاملًا رئيسيًا أو حاسمًا في قرارهم الانتخابي، فيما حمّل نحو ثلثي المشاركين ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار.

كما أشار نحو ثلاثة أرباع الناخبين إلى شعورهم بالغضب أو عدم الرضا عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، وهي مؤشرات تعكس اتساع الفجوة بين وعود الرئيس بتحسين الوضع الاقتصادي وبين تقييم الناخبين لما يواجهونه في حياتهم اليومية.

وتتضح المفارقة بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة الوعود التي قدمها ترامب؛ فبينما تحدث عن توزيع خمسة آلاف دولار على كل مواطن بالغ، لم يكن هناك برنامج معتمد يضمن تنفيذ المدفوعات أو يحدد كيفية تمويلها، في الوقت الذي ظلت فيه الأسر تواجه تكاليف متزايدة، وارتفعت أسعار الطاقة والوقود وسط تداعيات الحرب مع إيران والرسوم الجمركية.

أزمة الثقة

ربما كان التحدي الأكبر الذي واجه وعد الخمسة آلاف دولار هو الشكوك بشأن إمكانية تنفيذه، قبل أن يصل الناخبون إلى صناديق الاقتراع.

وأظهر استطلاع مشترك بين مجلة "ذا إيكونوميست" ومؤسسة "يوجوف"، أُجري في سبتمبر الماضي، أن 48% من المشاركين يؤيدون إرسال 5 آلاف دولار لكل مواطن بالغ، مقابل 40% يعارضون الفكرة. لكن الفارق كان أكثر وضوحًا عند سؤالهم عما إذا كانوا يعتقدون أن ترامب سينفذ وعده؛ إذ قال 57% إنه لن يفعل، مقابل 21% فقط اعتقدوا أنه سيوزع الأموال بالفعل.

وفي استطلاع منفصل أجرته "رويترز" خلال الفترة نفسها، أعرب 63% من الأمريكيين عن رفضهم عرض ترامب، بينهم أربعة من كل عشرة جمهوريين وتسعة من كل عشرة ديمقراطيين.

كما أظهر استطلاع "أسوشيتد برس" الذي سبق الانتخابات أن نحو نصف الناخبين المسجلين يرون أن ترامب لا يفي بوعوده للأمريكيين، بينما قال نحو 30% إنه يحاول الوفاء بها لكنه لا يستطيع، ولم تتجاوز نسبة من اعتقدوا أنه يفي بوعوده بالفعل نحو 20%.

ولم تكن الشكوك مقتصرة على المعارضين؛ فقد نقلت "أسوشيتد برس" عن مؤيدين لترامب شاركوا في تجمعاته الانتخابية بولايات أمريكية مختلفة تعبيرهم عن عدم اليقين بشأن وصول الأموال، بل إن بعضهم أبدى تحفظًا على فكرة ربط التصويت بالحصول على مدفوعات حكومية.

أيضًا، من المؤشرات اللافتة أن الحملات الانتخابية للمرشحين الجمهوريين لم تستخدم وعد الخمسة آلاف دولار في إعلاناتها التلفزيونية أو الرقمية، وفقًا لبيانات شركة (AdImpact)، بينما ظهرت الإعلانات التي تناولت الوعد أساسًا ضمن حملات مجموعات داعمة للديمقراطيين، في محاولة للتشكيك في مصداقيته.

يكشف ذلك عن فجوة بين الخطاب الصادر من البيت الأبيض والحسابات الانتخابية للمرشحين الجمهوريين أنفسهم؛ فبينما قدم ترامب المبلغ باعتباره مكسبًا مضمونًا في حال فوز حزبه، لم تتحول الفكرة إلى رسالة دعائية رئيسية لدى المرشحين الذين كان يفترض أن يستفيدوا منها في المنافسات الأكثر صعوبة.

رفض الجمهوريين

كان من الممكن أن يمنح الوعد بتوزيع خمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ فرصة لترامب لاستعادة جزء من الدعم بين الشباب، خصوصًا أن استطلاعات ما قبل الانتخابات أشارت إلى أن فكرة المدفوعات كانت تحظى بتأييد أكبر نسبيًا بين الناخبين دون الثلاثين مقارنة ببعض الفئات العمرية الأخرى.

لكن نتائج التصويت كشفت عن اتجاه مختلف؛ إذ أظهرت بيانات "أسوشيتد برس" أن نحو 7 من كل 10 ناخبين دون الثلاثين أيدوا المرشحين الديمقراطيين في سباقات مجلس النواب، مقارنة بانقسام شبه متساوٍ بين هذه الفئة في الانتخابات الرئاسية عام 2024 بين ترامب ومنافسته الديمقراطية كامالا هاريس. ما يوضح أن الإغراء المالي لم يتحول إلى ولاء انتخابي يضمن للجمهوريين الاحتفاظ بقاعدة شبابية أوسع.

كما تشير النتائج إلى أن اتجاهات التصويت كانت مرتبطة بمجموعة أوسع من القضايا، تشمل تكاليف المعيشة والاقتصاد والقلق بشأن مستقبل الديمقراطية والفساد الحكومي، وهي ملفات لم تتمكن الوعود النقدية من تجاوزها.