من الحرب مع إيران إلى الرسوم الجمركية والتوتر مع الحلفاء، لم تعد قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخارجية بعيدة عن حسابات الداخل، ما بدا في النتائج المُعلنة لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ومن قبلها التقديرات البحثية واستطلاعات الرأي.
ومع انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين، يواجه ترامب مرحلة جديدة من الرقابة التشريعية على تحركات إدارته، تشمل مراجعة تكاليف العمليات العسكرية، وفحص الأسس القانونية لقراراته التجارية، ومساءلة المسؤولين عن إدارة العلاقات الدولية.
ورغم أن نتائج انتخابات التجديد النصفي لا تنتزع من الرئيس صلاحياته الدستورية في إدارة السياسة الخارجية وقيادة الجيش، فإنها تعيد إلى الكونجرس أدوات ضغط ومساءلة قد تحد من هامش المناورة، الذي تمتع به ترامب خلال العامين الأولين من ولايته الثانية، وتضع مستقبل قراراته الدولية أمام معادلة سياسية أكثر تعقيدًا.
هكذا تكشف الانتخابات عن مفارقة مهمة في السياسة الأمريكية؛ فالرئيس الذي بنى عودته إلى البيت الأبيض على خطاب استعادة القوة والنفوذ الأمريكي، وجد نفسه بعد عامين أمام ناخبين يستخدمون إحدى أهم أدوات النظام السياسي للحد من تركّز السلطة في يده.
ومع هذا، فإن الموجة الزرقاء لم تكن تصويتًا لإنهاء رئاسة ترامب أو سحب صلاحياته الدستورية، بقدر ما كانت تصويتًا لإنهاء مرحلة من غياب الرقابة التشريعية الفعالة عليه. فالأمريكيون لم يختاروا رئيسًا جديدًا، لكنهم اختاروا كونجرس مختلفًا، قد يصبح خلال العامين الأخيرين من الولاية الثانية للرئيس نقطة التوازن الأهم في النظام السياسي الأمريكي.
التأثير الأزرق
يمتد تأثير التحول الانتخابي إلى ما وراء واشنطن، خصوصًا أن ترامب اتخذ خلال ولايته الثانية قرارات خارجية تركت آثارًا مباشرة على العلاقات الأمريكية الدولية، من الحرب مع إيران إلى الرسوم الجمركية والتوتر مع الحلفاء.
وفي السياق ذاته، لا يقتصر دور الكونجرس الجديد على مساءلة المسؤولين عن القرارات العسكرية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى مراجعة الاعتمادات المالية المرتبطة بها، وفتح نقاش بشأن الأهداف والتكاليف والنتائج.
ويمنح الدستور الكونجرس سلطة إعلان الحرب، بينما يتولى الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يخلق توازنًا بين الاختصاصات الدستورية للسلطة التشريعية والصلاحيات التنفيذية للرئيس. كما يستطيع المشرعون استخدام سلطة الإنفاق والرقابة على المؤسسات العسكرية للضغط من أجل تقديم معلومات بشأن العمليات الجارية وتكاليفها، ومراجعة الاعتمادات المخصصة لها.
لكن السيطرة الديمقراطية على المجلسين لا تعني أن الرئيس فقد سلطته في إدارة القوات المسلحة أو اتخاذ القرارات التنفيذية المتعلقة بالعمليات العسكرية، فهذه الصلاحيات لا تنتقل إلى الكونجرس بمجرد تغيير الأغلبية.
وهذا يعني أن الحرب الأمريكية مع إيران لن تتوقف تلقائيًا بسبب انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين، لكن الإدارة قد تواجه رقابة أشد بشأن استمرار العمليات العسكرية ومصادر تمويلها ومبرراتها السياسية.
وفي ملف التجارة، يمكن للديمقراطيين فتح تحقيقات بشأن استخدام ترامب الرسوم الجمركية، ومراجعة الأسس القانونية والاقتصادية للقرارات التي اتخذتها الإدارة، ومحاولة فرض قيود تشريعية على بعض الممارسات.
وتكتسب هذه المواجهة أهمية خاصة للدول التي تأثرت بقرارات واشنطن، خلال العامين الماضيين، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا، إذ يمكن أن تصبح السياسة الخارجية الأمريكية أكثر عُرضة للمراجعة البرلمانية والجدل العلني، دون أن يعني ذلك تحولها تلقائيًا إلى سياسة توافقية.
مواجهة لا عزل
مع استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب، قد يعود الحديث عن استخدام إجراءات العزل ضد ترامب، خصوصًا مع إعلان قيادات ديمقراطية نيتها فتح تحقيقات بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالإدارة.
لكن في الواقع، يستطيع مجلس النواب إقرار مواد اتهام الرئيس بأغلبية بسيطة، بينما يتطلب إدانته داخل مجلس الشيوخ موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين. وبالتالي، فإن السيطرة الديمقراطية على المجلسين لا تعني تلقائيًا إمكان عزل الرئيس أو إنهاء ولايته، إذ يظل ذلك مرتبطًا بوجود أدلة ووقائع محددة، وباستعداد عدد كبير من أعضاء الحزب الجمهوري للانضمام إلى الديمقراطيين في التصويت على الإدانة.
كما أن ترامب سيظل محتفظًا بحق النقض الرئاسي، فيما يتطلب تجاوز هذا النقض أغلبية الثلثين في كل من المجلسين، ما يجعل تمرير تشريعات كبرى دون توافق بين الحزبين أمرًا شديد الصعوبة.
ولهذا، فإن التأثير المباشر للتحول الانتخابي لا يتمثل في إزاحة الرئيس، وإنما في زيادة القيود السياسية والمؤسسية على قراراته، وإجبار الإدارة على التعامل مع كونجرس لم يعد مستعدًا لمنحها الدعم نفسه الذي تمتعت به خلال العامين الأولين من الولاية.
اختبار الديمقراطية
لا يمكن فصل نتائج انتخابات التجديد النصفي عن التأثير المتزايد للسياسة الخارجية على حياة الأمريكيين اليومية، إذ أسهمت الحرب مع إيران والرسوم الجمركية في تعميق الضغوط الاقتصادية، وأصبح الناخب يربط بين القرارات التي تتخذها الإدارة خارج الحدود وأسعار الوقود والغذاء وتكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة.
وأظهرت استطلاعات ما بعد التصويت أن الغالبية الساحقة من الناخبين اعتبرت تكلفة المعيشة عاملًا مهمًا في اختيارها، فيما حمّل نحو 6 من كل 10 مشاركين سياسات الإدارة مسؤولية ارتفاع الأسعار، وهي مؤشرات تعكس أن التقييم السياسي لترامب لم يعد منفصلًا عن نتائج قراراته الاقتصادية والعسكرية.
هكذا، يمكن النظر إلى الموجة الزرقاء باعتبارها اختبارًا لقدرة النظام الديمقراطي الأمريكي على تصحيح اختلال ميزان السلطة عبر صناديق الاقتراع، دون الحاجة إلى تغيير النظام السياسي أو إنهاء ولاية الرئيس.
لكن نجاح هذا التصحيح لن يتحدد بمجرد انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر، بل بقدرة الكونجرس الجديد على ممارسة الرقابة بصورة مسؤولة، والتحقيق في التجاوزات عند وجود أدلة، ومراجعة القرارات التنفيذية، وتقديم بدائل تشريعية تعالج القضايا التي دفعت الناخبين إلى رفض استمرار الوضع السابق.
وفي المقابل، فإن تحول المواجهة إلى صراع حزبي دائم، أو استخدام التحقيقات والعزل باعتبارهما أداتين للانتقام السياسي، قد يعمق الاستقطاب الذي تعاني منه المؤسسات الأمريكية بدلًا من معالجة أسبابه.
وفي الواقع، لن تبدأ السيطرة الديمقراطية الجديدة فور إعلان نتائج الانتخابات؛ إذ يظل الكونجرس الحالي قائمًا خلال الفترة الانتقالية، على أن ينعقد الكونجرس الجديد، 3 يناير 2027، وفقًا للتعديل العشرين للدستور الأمريكي. وحتى ذلك التاريخ، سيواصل ترامب التعامل مع الأغلبية الجمهورية الحالية.