على الرغم من أن الهجوم على أيران أصبح محتملًا بدرجة كبيرة، فإن مسألة تحديد توقيته بشكل دقيق أمر صعب على ما يبدو. ويرجع ذلك لتشابك التحديد الدقيق لهذا التوقيت مع مجريات الاستحقاقات الانتخابية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. فالحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران ليست احتمالًا جديدًا، فهي بدأت في فبراير الماضي وتوسعت إلى صراع إقليمي، ولا تزال ممتدة دون تسوية رغم الهدنة ومحاولات التهدئة.
وفي هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات، مثل: ما المؤشرات التي ترجح قرب تجديد التصعيد أو الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران؟ وما أهم المؤشرات التي ترجح تريُّث كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه ضربات جديدة لإيران؟ وما الحسابات السياسية المُحدِّدة لتوقيت الهجوم الأمريكي والإسرائيلي المرتقب على إيران؟
في ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة على التساؤلات السابقة من خلال التركيز على النقاط الأساسية التالية:
تصعيد مرتقب
هناك العديد من المؤشرات التي ترجح كفة التصعيد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في المستقبل القريب. ويمكن تحديد بعض هذه المؤشرات في التصريحات الأمريكية في الفترة الأخيرة. فقد أوضح ترامب أن واشنطن تفكر في ضربة جديدة على إيران، مشيرًا إلي قرب توقيت هذه الضربة باستخدامه عبارة "ربما غدًا"، وأبقى في الوقت نفسه احتمال اتفاق شامل مفتوحًا مع إيران. كذلك وصف السفير الأمريكي في تركيا الضربات بأنها ممكنة هذا الأسبوع إذا فشلت الدبلوماسية.
كذلك حذّر مدير الاستخبارات الأمريكية من أن إيران زادت جهودها لاستهداف أفراد أمريكيين وأن المخططات بلغت مراحل متقدمة. وتحدثت تقارير عن خطة إسرائيلية لحملة قصف متعددة الأيام تشمل المنشآت النووية ومحطات الطاقة وأهدافًا تتصل بالنظام الإيراني. كذلك ذكر مصدر مطلع – نقلًا عن NPR - أن كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان لهجوم محتمل في مطلع نوفمبر بعد انتخابات التجديد النصفي، مع التنبيه إلى أن الحشد قد يكون ضغطًا لانتزاع اتفاق.
تريُّث حذر
أعلن ترامب، في 9 أكتوبر، أن بلاده لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أنه عارض عملية إسرائيلية كانت مقررة في عطلة 10 أكتوبر.
وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إنه لا يرى حاجة لضرب إيران قبل الانتخابات، وأفادت تقارير بأن التقييم الاستخباراتي الإسرائيلي لم يتغير بما يبرر عملية عسكرية ضد إيران خلال أسبوعين أو ثلاثة.
كذلك خفَّض الجيش الأمريكي وجوده في بعض المواقع بهدوء؛ بسبب تهديدات إيران والحوثيين. وهذا يوحي بحذر أمريكي إسرائيلي من رد الفعل الإيراني إزاء أي هجوم يستهدف إيران قريبًا.
العامل الحاسم
تتحكم المواعيد الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية في توقيت هجوم كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. فهناك انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر الجاري، والتجديد النصفي الأمريكي في 3 نوفمبر القادم. ويرى مراقبون أن المصير الانتخابي لكل من ترامب ونتنياهو هو ما يتحكم في سعيهما إلى الهجوم على إيران أو الإحجام عنه. ولذلك تُقرَأ تصريحات ترامب بشأن قرب استئناف الحرب علي إيران كأداة ضغط تفاوضي على إيران.
أهم السيناريوهات:
في ضوء ما سبق، يمكن رصد بعض السيناريوهات المحتملة لاستئناف الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وذلك على النحو التالي:
(*) السيناريو الأول (ضربة محدودة): يصبح هذا السيناريو الأقرب إذا أراد ترامب الضغط على إيران دون حرب شاملة، لكن الخطر المرتبط بهذا السيناريو يرتبط بعدم التحكم في المدى الجغرافي لهذه الحرب بعد المبادرة بضربة أو ضربات أمريكية إسرائيلية على إيران.
(*) السيناريو الثاتي (حملة عسكرية واسعة بعد الانتخابات): هذا السيناريو هو الأخطر خاصة في حالة ضعف محاذير استخدام القوة العسكرية وتجاوز الخطوط الحمراء بعدد التحرر من القيود الانتخابية لقادة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. ويتأكد ذلك بأنه بمجرد التلويح بمثل هذه الحملة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، تهدد إيران بالرد عليهما بما يفوق الهجوم عليها عدة أضعاف. فقد أعدت إيران خططًا لاستهداف كابلات الإنترنت البحرية في الخليج. ويُضاف إلى ذلك مضيق هرمز الذي بقي مغلقًا جزئيًا منذ فبراير الماضي، وهجمات الحوثيين على السعودية الآن.
(*) السيناريو الثالث (اتفاق أمريكي هش مع إيران): صعب تحقيق هذا السيناريو في الوقت الراهن أو المستقبل القريب؛ في ظل تعثر المحادثات بشأن البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات هرمز. وحتى في حالة الوصول إلى اتفاق، يشكك كل من الطرفين في إلتزام الطرف الآخر به.
في النهاية، يمكن القول إن المشهد الراهن لاستئناف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجددًا يغلُب عليه الغموض والضبابية. فهذه اللحظة الحرجة من عمر هذه الحرب تشهد تهديدات علنية وتخطيطًا عسكريًا جاريًا من جانب الأطراف المتصارعة في هذه الحرب، مقابل كوابح انتخابية وتقييمات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية متحفظة وتكلفة رد إيراني مرتفعة. لذلك فمن الأرجح، أن تبادل الضربات والأعمال العسكرية الأوسع قد يبدأ بعد الثالث من نوفمبر القادم، مع بقاء شن ضربة أو ضربات عسكرية محدودة على إيران في الأيام القادمة احتمالًا لا يمكن استبعاده.