تنعقد الدورة الحادية والثمانون لاجتماعات الشق رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026، في لحظة شديدة الحساسية من عمر النظام الدولي بالنسبة للأزمة الأمريكية الإيرانية، إذ لم تعد مقتصرة على الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، وإنما أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تشمل العمليات العسكرية وأمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية على إيران ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، فضلًا عن الدور الإقليمي لإيران ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.
وتأتي اجتماعات الجمعية العامة هذا الأسبوع بعد أشهر من الحرب والمواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد تعثر المسار التفاوضي الذي كان قد فتح نافذة لوقف التصعيد. وتكتسب دورة الجمعية العامة لعام 2026 أهمية إضافية نظرًا للمشاركة المحتملة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي على رأس الوفد الإيراني الذي سمحت الولايات المتحدة بدخوله إلى نيويورك، رغم استمرار الحرب والمفاوضات المتقطعة بين واشنطن وطهران. وهذه الخطوة توفر، على الأقل من الناحية السياسية، قناة اتصال مباشرة في مكان يجتمع فيه الطرفان إلى جانب عدد كبير من الأطراف الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تثار العديد من التساؤلات التي يأتي في مقدمتها: هل يمكن أن يكون انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة نقطة تحول في الأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة، أم أن تأثيرها سيظل محصورًا في الخطاب السياسي والدبلوماسية الموازية؟ هل ستتحول نيويورك إلى نقطة اتصال بين المسارات الدبلوماسية المنفصلة التي لم تنجح حتى الآن في التوصل لتسوية الأزمة؟ ما المخرجات المتوقعة من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة 2026 فيما يتعلق بتسوية الأزمة الأمريكية الإيرانية؟
اجتماعات مختلفة
لا تكمن أهمية اجتماعات الجمعية العامة هذا العام في قدرتها المباشرة على فرض تسوية للصراع الأمريكي الإيراني الراهن، وإنما في قدرتها على تغيير البيئة السياسية والدبلوماسية التي تجري داخلها المفاوضات الأمريكية الإيرانية، فهناك ثلاثة عوامل تجعل من اجتماعات دورة 2026 للجمعية العامة للأمم المتحدة مختلفة بالنسبة لمستقبل ومسارات الأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة، ويمكن تحديد هذه العوامل في ما يلي:
(*) انتقال الأزمة من مرحلة الضغط الدبلوماسي إلى مرحلة الصراع العسكري: ففي بداية الأزمة كان الملف النووي هو مركز الخلاف، أما الآن فقد أصبح الملف النووي جزءًا من منظومة أوسع من الصراع الأمريكي الإيراني، فقد شهد عام 2026 عمليات عسكرية أمريكية وإيرانية، ثم جرت محاولة لخفض التصعيد من خلال مذكرة تفاهم في يونيو الماضي، تضمنت وقف الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز وفتح فترة تفاوض حول اتفاق نووي، لكن هذا المسار تعرض للانتكاس، وانتهت فترة التفاوض البالغة 60 يومًا دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وبالتالي فإن أي تفاوض جديد يحتاج إلى معالجة أكثر من قضية في وقت واحد.
(*) الأمم المتحدة جزء من أزمة الشرعية الدولية: تعرض كل من الولايات المتحدة وإيران روايتين متعارضتين جذريًا حول أساس الصراع المشتعل بينهما الآن، فقد قدمت واشنطن في مجلس الأمن مبرراتها القانونية والسياسية للعمليات العسكرية باعتبارها مرتبطة بالدفاع عن الولايات المتحدة وحلفائها وحماية الملاحة في مضيق هرمز، وفي المقابل قدمت إيران أمام مجلس الأمن رواية ترتكز على أن العمليات الأمريكية انتهاك لسيادتها ولميثاق الأمم المتحدة، وتؤكد حقها في الدفاع عن النفس. لذلك فإن الجمعية العامة ستكون أيضًا ساحة للصراع على الشرعية الدولية والرواية السياسية للأزمة.
(*) ملف نووي أكثر تعقيدًا: من أخطر التطورات الحالية هو تضرر القدرة الدولية على مراقبة البرنامج النووي الإيراني خلال الأزمة الحالية، فقد أفادت الأمم المتحدة في يوليو 2026 بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدت قدرًا مهمًا من استمرارية المعرفة بالبرنامج النووي الإيراني، مع استمرار غياب التحقق الميداني الكامل. كما يشير تقرير مجلس الأمن الخاص بإيران إلى أن هذه الوكالة تواجه صعوبات في التحقق من تنفيذ إيران لالتزاماتها النووية، وأنها لا تستطيع حاليًا تحديد حجم أو مكان مخزون اليورانيوم المخصب بصورة كاملة، وهذا يجعل إعادة بناء آلية التحقق النووي أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية مقبلة.
وفي ضوء ما سبق، يتبين أن الجمعية العامة لن تستطيع ببساطة أن تُعيد الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات وتفرض عليهما اتفاقًا، لكن تأثيرها يمكن أن يكون مهمًا من خلال المسارين التاليين:
1) ضغط دولي على طرفي الصراع: يرتبط بذلك أيضًا توفير مظلة شرعية لأي اتفاق أمريكي إيراني.
2) إمكانية فتح قنوات تفاوض غير مباشر بين طرفي الأزمة على هامش الاجتماعات الرسمية: قد يساعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في تجميع القوى الوسيطة الأوروبية والعربية والآسيوية حول صيغة واحدة لخفض التصعيد.
ملفات حاسمة
يمكن تحديد أهم الملفات المرتبطة بالأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة، في ما يلي:
(-) النووي هو الملف الأكثر واقعية لإعادة إطلاق المفاوضات بين أمريكا وإيران: إذا أراد أطراف الأزمة تحقيق اختراق، فمن المرجح أن يبدأ ذلك من الملف النووي، وهناك أساس موضوعي لذلك، حيث تتركز الأزمة الحالية جزئيًا حول غياب الثقة بشأن البرنامج النووي الإيراني، إذ ترى واشنطن أن العقوبات والضغوط العسكرية يجب أن تكون جزءًا من صفقة أوسع. ومن ثم يمكن تصور صيغة تدريجية، لا تقوم بالضرورة على اتفاق شامل منذ اليوم الأول، وإنما على خطوات متبادلة، فمثلًا هناك صيغة لهذا التصور تقوم على عدة مراحل تشمل في المرحلة الأولى وقف التصعيد العسكري، وفي المرحلة الثانية عودة تدريجية للتفتيش والتحقق النووي، وفي المرحلة الثالثة تجميد أو تحديد بعض الأنشطة النووية الحساسة، وفي المرحلة الرابعة تخفيف محدد للعقوبات، وفي المرحلة الخامسة الاتفاق على ترتيبات طويلة الأجل.
(-) مضيق هرمز مفتاح موازي للملف النووي: من الصعب فصل الأزمة النووية عن قضية الملاحة والطاقة، فمضيق هرمز ليس مجرد قضية إيرانية أفرزتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية، بل يرتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي والدول الخليجية والاقتصاد الآسيوي والأوروبي، ولهذا فإن أي تفاوض ناجح قد يحتاج إلى صيغة تربط بين الأمن البحري ووقف إطلاق النار والعقوبات والبرنامج النووي، وهذا تحديدًا ما يجعل الوساطة الخليجية والأوروبية مهمة، فواشنطن لديها مصلحة في ضمان حرية الملاحة، بينما لدى طهران مصلحة في تخفيف الضغط الاقتصادي والعقوبات، ولدى دول الخليج مصلحة مباشرة في منع استمرار الحرب بالقرب من أراضيها، ومن هنا يمكن أن تتشكل منطقة مصالح مشتركة بين أطراف لا تتفق سياسيًا.
سيناريوهات متوقعة
يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات متوقعة لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة 2026 ترتبط بتسوية الصراع الأمريكي الإيراني، وذلك على النحو التالي:
(&) السيناريو الأول (استمرار الوضع الراهن أو تحقيق تقدم محدود في مسار التسوية): وفقًا لهذا السيناريو، قد تستمر الخطابات المتبادلة، وتُعقد اجتماعات جانبية، لكنها لا تُحدث اختراق حقيقي لتسوية الأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة، وفي هذه الحالة تصبح الدورة الحالية للجمعية العامة مجرد منبر دولي لتبادل المواقف.
(&) السيناريو الثاني (حدوث بعض النجاحات التفاوضية بين أمريكا وإيران): من المحتمل وفقًا لهذا السيناريو، أن تنجح الاتصالات الجانبية في إعادة إطلاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وقد يكون ذلك في صورة وقف مؤقت للتصعيد واستئناف مفاوضات نووية وعودة تدريجية لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتوصل لترتيبات بشأن الملاحة في هرمز وبحث تخفيف تدريجي للعقوبات، وهنا تكون الجمعية العامة قد أدت وظيفة إعادة تشغيل الدبلوماسية، حتى لو لم تنتج اتفاقًا نهائيًا.
(&) السيناريو الثالث (التوصل لتفاهمات قد تمهد لاتفاق متعدد الأطراف): وفقًا لهذا السيناريو، قد تشهد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة تفاهمات بين طرفي الصراع بمساعدة أطراف دولية أخرى، وهو ما من شأنه أن يحقق التوصل لاتفاق متعدد الأطراف يشمل طرفي الصراع ويحظى بدعم أوروبي وروسي وصيني وعربي، وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول اجتماعات سبتمبر 2026 إلى نقطة بداية لمرحلة جديدة في الأزمة.
إذا تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 2026، فإن أهمية الخطابين لن تكون في اللغة السياسية فقط، وإنما في الإشارات التفاوضية التي يمكن استخلاصها من خطابيهما، فعلى سبيل المثال سيكون مهمًا لمراقبة هل تطرح واشنطن شروطًا جديدة أم تعود إلى إطار تفاوضي؟ وهل ستترك طهران الباب مفتوحًا للمفاوضات؟ وهل سيُظهر طرفي الصراع استعدادًا لوقف التصعيد؟ وهل سيتم ربط الملف النووي بالعقوبات؟ وهل سيتم الحديث عن ضمانات أمريكية؟ وهل سيظهر استعداد لعودة آلية التفتيش؟ وهل ستُطرح ترتيبات بشأن مضيق هرمز؟ وبالتالي فإن لغة الخطابين قد تكون مؤشرًا على اتجاه المسار التفاوضي، لكنها لن تكون بديلًا عن المفاوضات نفسها.
وفي النهاية، يمكن القول إن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026 تأتي في وقت لا تبدو فيها الأزمة الأمريكية الإيرانية قابلة للحسم عسكريًا بسهولة، ولا يبدو في الوقت نفسه أن المسار الدبلوماسي قد انهار بصورة نهائية، وهذه المنطقة الرمادية تحديدًا هي التي تمنح اجتماعات نيويورك أهميتها بالنسبة لهذه الأزمة، فالجمعية العامة لن تكون طاولة مفاوضات تفرض اتفاقًا على واشنطن وطهران، لكنها تستطيع أن توفر البيئة السياسية التي تجعل العودة إلى التفاوض أكثر قابلية للتحقق، والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد القرارات التي ستصدر أو شدة الانتقادات المتبادلة، وإنما في قدرة اجتماعات سبتمبر 2026 على إنتاج قناة تفاوض قابلة للاستمرار حول ثلاثة ملفات مترابطة، هي: وقف التصعيد العسكري، وإعادة بناء نظام التحقق النووي، وخلق صيغة متبادلة للتعامل مع العقوبات ومضيق هرمز والأمن الإقليمي.