في فيلمه الروائي القصير الأول "كنتاكي غزة" يستعيد المخرج الفلسطيني عمر رمال محاولات إدخال وجبات الدجاج إلى غزة بطرق غير مشروعة، ليقدم تجربة سينمائية تتجاوز مشاهد الحرب والدمار، وتسلط الضوء على أحلام الناس البسيطة وحقهم في الحياة، وسط واقع يفرض عليهم قيودًا يومية، إذ يمزج في تحربته السينمائية التي تبلغ مدتها 22 دقيقة بين الواقع والخيال،
الفيلم الذي يشارك الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، تدور أحداثه في قطاع غزة المحاصر، إذ يتناول قصة حقيقية عن إدخال وجبات الدجاج إلى القطاع، في محاولة لتقديم صورة مختلفة عن الحياة اليومية للفلسطينيين، بعيدًا عن المشاهد التقليدية المرتبطة بالحرب والقتل والدمار، من خلال أنور، الذي يخوض مغامرة تهريب الدجاج، مدفوعًا برغبة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات أعمق تتعلق بالحرية والحرمان والشغف بالحياة، في ظل الحصار والقيود المفروضة على سكان القطاع.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية" عن كواليس العمل وفكرته، أوضح "رمال" أن الفيلم يستند إلى قصة واقعية تعود إلى أكثر من 15 عامًا، حين كان تهريب الطعام والسلع إلى غزة ملجأ السكان لتوفير احتياجاتهم، مشيرًا إلى أن معرفته بهذه الحكاية جاءت قبل نحو أربع أو خمس سنوات، بعدما سمع بها من صديقه أحمد حناوي.
أضاف أن الفكرة بدأت خلال حديث عابر عن الطعام، عندما علم أن وجبات الدجاج كانت تصل إلى غزة، رغم عدم وجود المطعم الشهير نفسه داخل القطاع، وهو ما أثار فضوله ودفعه إلى البحث عن تفاصيل القصة، ومشاهدة مقاطع مصورة ووثائق صحفية تناولت تلك الفترة، إلى جانب التواصل مع الصحفيين الذين وثقوا هذه الوقائع، قبل أن يبدأ في كتابة السيناريو.
وأضاف أن اهتمامه بتقديم حكاية تدور أحداثها في غزة يرتبط أيضًا بتجربته الشخصية بوصفه فلسطينيًا من الضفة الغربية، موضحًا أن الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية والقدس والأراضي الفلسطينية داخل حدود عام 1948 وقطاع غزة خلق حالة من الفصل بين أبناء الشعب الفلسطيني، وحرم كثيرين من زيارة أهلهم وأصدقائهم والتواصل المباشر معهم.
وأكد أن غزة تمثل جزءًا أصيلًا من هويته وانتمائه، قائلًا إن فلسطين بالنسبة إليه ليست المدن التي يعيش فيها فحسب، بل تشمل غزة والقدس وسائر الأراضي الفلسطينية، ولذلك كان لديه فضول دائم لتقديم قصة سينمائية عن القطاع، الذي يصعب عليه زيارته والتواصل مع أهله وأصدقائه فيه.
"شهوة للحياة".. المعنى الإنساني وراء الحكاية
وعن اختياره تناول قصة اجتماعية تبدو بسيطة في ظاهرها، رغم ارتباطها بواقع إنساني مأساوي، أوضح "رمال" أن هدفه لم يكن إعادة تقديم مشاهد الألم والدمار، بل الاقتراب من جانب آخر من حياة الفلسطينيين، يتمثل في رغبتهم في الاستمتاع بالتفاصيل اليومية التي قد تبدو عادية بالنسبة إلى الآخرين.
وقال إن الفيلم، بعد تعمقه في تفاصيل القصة، أصبح بالنسبة إليه تعبيرًا عن "الشغف بالحياة"، موضحًا أن سكان غزة يعيشون في ظل حصار يحرمهم من الوصول إلى كثير من المنتجات والعلامات التجارية المتاحة في أماكن أخرى، وهو ما يجعل الحصول على وجبة بعينها تجربة استثنائية، وليست مجرد اختيار عادي للطعام.
وأشار إلى أن الطعام يرتبط بالرغبة والاشتياق بصورة مباشرة، إذ قد يثير مشهد وجبة أو إعلان عنها رغبة في تجربتها، بينما يظل هذا الأمر صعبًا بالنسبة إلى أشخاص يعيشون في ظروف الحصار، ومن هنا رأى أن قصة محاولات إدخال وجبات الدجاج تحمل دلالة تتجاوز الطعام نفسه، لتصبح تعبيرًا عن محاولة اكتشاف العالم وكسر القيود المفروضة على الحياة اليومية.
وتابع "رمال" أنه انطلاقًا من هذا الواقع اختار التركيز في فيلمه على الجانب التجاري والإنساني لهذه التجربة، وعلى رغبة الشباب في الحصول على أشياء متاحة لغيرهم، لكنها تبدو بعيدة المنال بالنسبة إليهم.
بين واقعية القصة وموقف المقاطعة
وتطرق "رمال" إلى استخدام اسم "كنتاكي" في عنوان الفيلم، في ظل دعوات المقاطعة المرتبطة بالحرب على غزة، موضحًا أن القصة الحقيقية التي استند إليها العمل تعود إلى فترة سابقة للحرب، بسنوات وتحديدًا اكثر من 15 عامًا، حين لم تكن العلامة التجارية ضمن قوائم المقاطعة التي يتحدث عنها حاليًا.
وكشف "رمال" أنه واجه صراعًا أثناء كتابة الفيلم بعد اندلاع الحرب، بين الإبقاء على اسم العلامة التجارية باعتباره جزءًا من القصة الواقعية، أو تغييره مراعاة للظروف الجديدة، لكنه قرر الاحتفاظ بالاسم في عنوان العمل، انطلاقًا من قناعته بأن الرسالة الأساسية للفيلم تتعلق بحرمان الفلسطينيين من أبسط مظاهر الحياة، وليس بالترويج للعلامة التجارية.
وأوضح أنه تعمد في المشاهد الروائية المصورة عدم إظهار العلامة التجارية الأصلية، واستعاض عنها بتصميم مشابه في الألوان ومختلف في التفاصيل، مشيرًا إلى أنه يوضح للجمهور خلال عروض الفيلم أن الهدف من العمل ليس الترويج لها، بل تقديم حكاية إنسانية عن أشخاص يحاولون الحصول على تجربة بسيطة حرموا منها بسبب الحصار، مع التأكيد على إمكانية اختيار بدائل أخرى لا تتعارض مع مواقف المشاهدين من المقاطعة.
مصر والجونة.. استقبال استثنائي للفيلم
وعن ردود الفعل التي حظي بها الفيلم عقب عرضه، أعرب "رمال" عن سعادته بالاستقبال الإيجابي الذي شهده العمل في عدد من الدول العربية والأوروبية، مؤكدًا أن العرض في مصر سجل أقوى تفاعل جماهيري شهده الفيلم، حتى ذلك الوقت.
وأوضح أن تفاعل الجمهور المصري كان لافتًا بالنسبة إليه، حتى بالمقارنة مع عروض أُقِيمت في الأردن، حيث يقيم ويعمل، مشيرًا إلى أن القرب الجغرافي والإنساني بين مصر وغزة، إلى جانب التقارب اللغوي والثقافي، أسهما في وصول الحكاية إلى الجمهور المصري بصورة خاصة.
وقال إن اختياره عرض الفيلم في مصر ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي جاء انطلاقًا من شعوره بقرب غزة من مصر، ليس جغرافيًا فحسب، بل على مستوى الوجدان والعلاقات الإنسانية أيضًا، معربًا عن سعادته بتفاعل الجمهور مع العمل وتجاوبه مع رسالته.
"كنتاكي غزة".. البداية الروائية لعمر رمال
وفيما يتعلق بمسيرته السينمائية، أوضح "رمال" أن "كنتاكي غزة" يمثل أول أفلامه الروائية القصيرة التي تعتمد على قصة متكاملة تبدأ من نقطة محددة وتنتهي بأخرى، وتشارك في المهرجانات السينمائية، رغم امتلاكه تجربة سابقة في مجال الأفلام الوثائقية.
وأشار إلى أنه أنجز فيلمين وثائقيين، أحدهما مشروع طلابي، بينما يتناول الآخر الحياة اليومية في غزة، ويحمل اسم "Every Day in Gaza"، موضحًا أن الفيلم الوثائقي الأخير حقق نجاحًا وحصد جوائز.