الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

من غزة إلى الأوسكار.. مخرج "المواطن أسامة" يكشف كواليس العمل وتحدياته

  • مشاركة :
post-title
بوستر فيلم المواطن أسامة

القاهرة الإخبارية - ولاء عبد الناصر

من قلب الحرب في غزة، خرج فيلم "المواطن أسامة" للمخرج أحمد حسونة، ليقدم حكاية مختلفة عن الحرب، من خلال حياة الصحفي أسامة، الذي لا يكتفي بتوثيق ما يحدث من خلف الكاميرا، بل يعيش الحرب نفسها كزوج وأب ومواطن يبحث عن الطعام والماء والأمان لعائلته.

ومع رحلة الفيلم في المهرجانات، اختارت فلسطين "المواطن أسامة" لتمثيلها في سباق الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم دولي، ليحمل الفيلم قصة أسامة وعائلته، وجزءًا من ذاكرة غزة، إلى جمهور عالمي.

وفي حوار خاص لموقع "القاهرة الإخبارية"، تحدث المخرج الفلسطيني أحمد حسونة عن سبب اختياره لأسامة، وكيف تغير الفيلم مع تطور الأحداث، وتأثير الصداقة التي نشأت بينهما، وأصعب اللحظات التي عاشها خلال التصوير، إلى جانب شعوره بتمثيل فلسطين في الأوسكار، وأمور كثيرة أخرى نقرأها في هذه السطور..

المخرج الفلسطيني أحمد حسونة
ظروف شديدة الخطورة

يؤكد المخرج الفلسطيني أحمد حسونة أن ما جذبه في البداية لفكرة الفيلم أن العمل يناقش الإنسانية، إذ يقول: "ما جذبني إلى أسامة لم يكن فقط أنه صحفي يعمل في ظروف شديدة الخطورة، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا. كنت مهتمًا بأن نرى ماذا يحدث للصحفي عندما ينتهي من تغطية حدث ويعود إلى بيته: كيف يعيش كزوج، وكأب، وكمواطن يبحث مثل الآخرين عن الطعام والماء والأمان".

ويضيف: "عندما بدأت الفكرة، كان أسامة زميلًا أعرفه، ولم تكن بيننا تلك الصداقة العميقة الموجودة اليوم. لكن خلال صناعة الفيلم أصبحت قريبًا من أسامة ومن عائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة وتحولت العلاقة من زمالة إلى صداقة، كذلك كان أسامة من الصحفيين الذين بقوا في شمال قطاع غزة، وكان في الوقت نفسه ينتظر أن يصبح أبًا للمرة الأولى. هذا التناقض بين الصحفي الذي يخرج لتغطية الحرب والأب الذي يعود إلى بيته ويفكر في زوجته وطفله هو ما جعلني أشعر أن هناك قصة إنسانية أكبر من مجرد فيلم عن صحفي".

وتابع: "بدأنا بفكرة بسيطة: متابعة أسامة في عمله وداخل بيته، ورؤية الإنسان خلف الصحفي. لكننا لم نكن نمتلك سيناريو يستطيع أن يتنبأ بما سيحدث غدًا. الأحداث التي وقعت خلال فترة صناعة الفيلم هي التي كوّنت الحكاية. في النهاية، ما كان يحدث على الأرض وممارسات الاحتلال الإسرائيلي هي التي رسمت مسار الفيلم".

التوازن

وعن التوازن بين دوره كمخرج وعلاقته بأسامة التي تحولت إلى صداقة، يقول: "في البداية كانت علاقتي بأسامة علاقة زمالة في الميدان. هو كان صحفيًا يعمل على تغطية الأحداث، وأنا كنت مخرجًا وصانع أفلام أعمل ميدانيًا أيضًا. ومع قلة عدد الصحفيين والعاملين في المجال الذين بقوا في شمال قطاع غزة، أصبحنا نلتقي ونتواجد في الأماكن نفسها بشكل متكرر".

ويضيف: "خلال العمل بدأ يحدث تقارب بيننا، وبدأت أتعرف إلى أسامة بشكل أعمق، ليس فقط كصحفي، وإنما كإنسان أيضًا، ثم تحولت هذه العلاقة مع الوقت إلى صداقة. وأصبحت قريبًا منه ومن عائلته، وهذا منحني مساحة أكبر لفهم تفاصيل حياته وشخصيته. بالنسبة لي، هذا القرب لم يكن عائقًا أمام عملي كمخرج، بل ساعدني على اكتشاف جوانب لم أكن سأصل إليها لو بقيت العلاقة مجرد علاقة بين مخرج وشخصية يقوم بتصويرها. أصبحت أعرف أسامة الصحفي، ولكن أيضًا أسامة الزوج والأب والمواطن والإنسان، وهذا بالضبط ما كنت أبحث عنه في الفيلم".

وتابع: "منذ البداية كنت مهتمًا بأسامة لأنه لم يكن بالنسبة لي مجرد صحفي. لكن الأبوة كشفت جانبًا آخر تمامًا من شخصيته. أصبح أمامي إنسان يحمل الكاميرا ويخرج لتغطية الحرب، ثم يعود إلى البيت ليبحث عن احتياجات طفله، وعن الطعام لزوجته، ويفكر في كيفية حماية عائلته. فجأة أصبحت المسؤولية مضاعفة.. لديه مسؤولية مهنية تجاه ما يقوم بتوثيقه، ومسؤولية إنسانية تجاه طفل يعتمد عليه في كل شيء. ولهذا أيضًا كان مهمًا بالنسبة لي أن يبدأ الفيلم مع ولادة الطفل وأن نصل معه إلى عيد ميلاده الأول. خلال هذا العام لا نرى فقط ما يحدث حول أسامة، بل نرى أيضًا كيف أصبح أبًا وكيف يكبر طفله وسط كل ما يحدث".

كواليس الفيلم
أصعب المواقف

وعن أصعب موقف واجهه أثناء تصوير الفيلم، يقول: "من الصعب اختيار موقف واحد، لأن صناعة الفيلم كلها كانت مرتبطة بالخطر والفقد، أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، أُصيب أثناء العمل. كما اضطررنا أكثر من مرة إلى التوقف بسبب الخطر والنزوح والظروف التي كانت تواجه أفراد الفريق وعائلاتهم".

ويضيف: "هناك موقف ما زال حاضرًا في ذاكرتي عندما كان هناك تهديد خطير بجانب منزلي، واضطررت إلى إخلاء عائلتي بينما كنت بعيدًا عنهم. في تلك اللحظة لم أفكر في الفيلم أو في المواد المصورة الموجودة في المنزل؛ كان كل تفكيري في عائلتي. لم أتذكر المواد إلا بعدما أصبحت العائلة في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكنًا ووجدت المواد لا تزال محفوظة. لكن الأصعب على المستوى الشخصي كان استشهاد شقيقي. لأن الخطر هنا لم يعد شيئًا أصوره أو أراه يحدث للآخرين؛ دخل مباشرة إلى عائلتي، ولهذا توقفت عن استخدام الكاميرا لفترة طويلة".

محفورة في الذاكرة

وعن المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرته حتى بعد انتهاء التصوير، يقول: "هناك مشاهد كثيرة، لكن من أكثر الأشياء التي بقيت معي الرحلة بين ولادة طفل أسامة ووصوله إلى عيد ميلاده الأول. أن ترى طفلًا يولد وسط الحرب، ثم تتابع خلال عام كامل محاولة والديه حمايته وتوفير أبسط احتياجاته، وفي النهاية تصل معه إلى عيد ميلاده الأول، فهذا يحمل بالنسبة لي معنى كبيرًا".

ويضيف: "ليست المسألة أن النهاية تقول إن كل شيء أصبح جيدًا، الواقع حولهم ما زال قاسيًا. لكن الطفل كبر عامًا كاملًا، والعائلة لا تزال تحاول أن تستمر. بالنسبة لي هذه التفاصيل الصغيرة هي التي بقيت في ذاكرتي، لأنها تختصر شيئًا أساسيًا في الفيلم: وسط كل هذا الموت، هناك أناس ما زالوا يحاولون أن يعيشوا".

لقطة من الفيلم
تمثيل فلسطين في الأوسكار

وعن اختيار الفيلم لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار، قال: "بالنسبة لي كصانع أفلام، السينما في الأساس وسيلة لحفظ الذاكرة. و"المواطن أسامة" ليس تجربتي السينمائية الأولى؛ لدي أفلام سابقة، من بينها الفيلم الروائي الطويل "ستروبيا" الذي أُنتج عام 2019، وتناول أيضًا حياة الناس ومعاناتهم. لذلك فإن علاقتي بالسينما وبفكرة توثيق الذاكرة لم تبدأ مع "المواطن أسامة".

ويضيف: "واختيار "المواطن أسامة" لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار أمر مهم جدًا بالتأكيد، لكن الأهم بالنسبة لي هو ما يمكن أن يمنحه ذلك للفيلم من انتشار ووصول إلى جمهور أكبر. عندما يرتبط اسم فيلم بالأوسكار، يزداد الاهتمام به".

ويتابع: "وهنا تكمن القيمة الحقيقية بالنسبة لي.. أن يشاهد "المواطن أسامة" شخص في بلد آخر، ومن ثقافة مختلفة، ومن عادات وتقاليد وتجربة حياة مختلفة تمامًا عنا، ثم يدخل من خلال الفيلم إلى حياة أسامة وعائلته ويرى جزءًا مما حدث لنا في غزة".

واختتم حديثه: "المهرجانات والأوسكار تساعد الفيلم على السفر والوصول، لكنها ليست الغاية بحد ذاتها. الغاية بالنسبة لي هي أن تصل الحكاية إلى الناس، وأن تحفظ السينما هذه الذاكرة. وكلما اتسعت دائرة الجمهور الذي يشاهد الفيلم، أصبحت لهذه الذاكرة فرصة أكبر لأن تبقى وأن تصل إلى أماكن لم نستطع نحن الوصول إليها".

وتابع: "أشعر بفخر كبير، لكنه في الوقت نفسه يحمل مسؤولية كبيرة. اختيار "المواطن أسامة" لتمثيل فلسطين يعني أن هذه القصة التي بدأت من داخل غزة، وفي ظروف لم نكن نعرف خلالها حتى إن كنا سنستطيع إكمال الفيلم، أصبحت اليوم تحمل اسم فلسطين إلى واحدة من أهم المنصات السينمائية في العالم. لم أصنع الفيلم وأنا أفكر في الأوسكار، ولا حتى في فينيسيا. أثناء التصوير كان همنا أن ننجز الفيلم ونبقى قادرين على الاستمرار. لذلك أتمنى أن يصل الفيلم إلى أبعد مرحلة ممكنة، ليس فقط من أجل الفيلم نفسه، بل حتى تصل معه حكاية أسامة وجزء من ذاكرة ما عاشه الناس في غزة إلى جمهور أوسع".