تواجه فرنسا ضغوطًا اقتصادية متزايدة بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تتفاقم فيه مشكلات الدين العام والإنفاق الحكومي وتباطؤ النمو، إذ تضع هذه المؤشرات الحكومة أمام خيارات صعبة بين خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، وسط محدودية هامش التحرك المالي.
دين متصاعد
أعادت الاحتجاجات والاضطرابات الأخيرة تسليط الضوء على الأوضاع الاقتصادية في فرنسا، بجانب الانقسامات السياسية الداخلية وآليات صنع القرار الاقتصادي، إذ تحولت تحركات طلابية لإغلاق المدارس، شهدت معظمها طابعًا سلميًا رغم تعطيل الدراسة خلال الشهر الجاري، إلى اضطرابات أوسع وجيوب من العنف بين الشباب، السبت الماضي.
ووصلت نسبة الدين العام الفرنسي من الناتج المحلي الإجمالي، نهاية يونيو إلى 119%، عندما اقترب من 3.6 تريليون يورو، أي ما يعادل نحو 4.08 تريليون دولار، ووفقًا لأرقام وكالة الإحصاء الوطنية الفرنسية.
وقال أستاذ الاقتصاد في كلية نيوم للأعمال في باريس، جيلبير سيت، إن الدين العام "هائل"، مضيفًا أن السياسة الاقتصادية الفرنسية بأكملها مقيدة بهذا المستوى الضخم من الديون، وبحسب شبكة "أسوشيتدبرس" الأمريكية.
ويواجه صناع السياسات هامشًا محدودًا للتحرك، إذ يتعين عليهم الاختيار بين خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب، التي تعد بالفعل من بين الأعلى في أوروبا، ووفقًا لـ"سيت"، أظهرت فرنسا براعة في زيادة الإنفاق وخفض الضرائب خلال السنوات الأخيرة.
وتتفاقم الضغوط مع توقعات بتجاوز الميزانية مجددًا حدود الإنفاق التي يحددها الاتحاد الأوروبي، وقبل ثلاثة أسابيع، قالت الحكومة إن الإنفاق سيتخطى هذه الحدود مرة أخرى، مع توقع ارتفاع الدين الوطني إلى نحو 122% من الناتج المحلي الإجمالي، في مستوى قياسي جديد.
إنفاق وضرائب
وبلغ الإنفاق الحكومي الفرنسي 57.2% من الناتج الاقتصادي، عام 2025، وفق بيانات يوروستات، وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي، مقارنة بمتوسط أوروبي يقل قليلًا عن 50%، ويعكس هذا الرقم حجم الاعتماد على الإنفاق العام في تمويل الخدمات والبرامج الحكومية.
ويشمل الإنفاق العام إعانات الشركات والتكاليف المرتفعة للرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، ما يحد من قدرة الحكومة على المناورة المالية، فمع تخصيص هذه الحصة الكبيرة من الناتج للإنفاق، يصبح تقليص العجز أكثر صعوبة دون اتخاذ قرارات تمس الإنفاق أو الإيرادات.
فيما يتعلق بالضرائب والمساهمات الاجتماعية، احتلت فرنسا المرتبة الثانية بعد الدنمارك، عام 2024، بعدما بلغت الإيرادات الضريبية والمساهمات الاجتماعية 45.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات يوروستات، وتجاوزت النسبة بذلك متوسط الاتحاد الأوروبي، الذي تخطى قليلًا 40%.
وقال الرئيس العالمي لقسم الاقتصاد الكلي في بنك "آي إن جي"، كارستن برزيسكي، إن "فرنسا ليست اليونان"، في إشارة إلى الأزمة المالية التي هزت الاتحاد الأوروبي عام 2009، لكنه أشار إلى أن إخفاق فرنسا في تحقيق أهداف الإنفاق والنمو وخفض التكاليف يقع في صميم مشكلاتها الاقتصادية.
ارتفاع الاقتراض
وبلغ العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.96% حتى اليوم الثلاثاء، ما يعكس ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي، وتؤدي هذه التكاليف إلى تقليص الأموال المتاحة للإنفاق على المعاشات التقاعدية والتعليم والصحة والدفاع والبرامج الاجتماعية.
وتبرز المقارنة مع ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، حجم الضغوط على باريس، فالعائد على السندات الألمانية المماثلة، التي تُعد من الأصول الآمنة للغاية، يبلغ نحو 3.4%، فيما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات.
وكتب برزيسكي من بنك "آي إن جي"، الأسبوع الماضي، أن "الإحصاءات الكاذبة دمرت مصداقية اليونان؛ وتتآكل مصداقية فرنسا، بسبب الوعود غير المتحققة وعدم القدرة أو عدم الرغبة في بدء الإصلاحات المالية والهيكلية".
نمو محدود
تبلغ توقعات نمو الاقتصاد الفرنسي 0.4%، العام الجاري، وفق صندوق النقد الدولي، وهو معدل ضعيف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى، وفي المقابل، يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1%، والاقتصادات المتقدمة بنسبة 2.1% خلال العام نفسه.
ويُعد معدل النمو المتوقع لفرنسا الأدنى بين الدول المتقدمة، إذ يعادل نحو ثلث معدل النمو المتوقع لألمانيا ونصف معدل النمو في إيطاليا، ما يعكس استمرار ضعف الأداء الاقتصادي الفرنسي.
أما اليابان، التي تسجل ثاني أدنى توقعات النمو بين الدول المتقدمة، فمن المتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة 0.7%، متجاوزًا بذلك التوقعات الخاصة بفرنسا، وتأتي هذه الأرقام في وقت تواجه فيه باريس ضغوطًا متزامنة، بسبب الدين العام والإنفاق وتكاليف الاقتراض والاحتجاجات على المعيشة.