اقتربت اليابان من مواجهة نقص حاد في معدن الإيتريوم، أحد العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة محركات الطائرات والسيارات ومعدات إنتاج أشباه الموصلات، وسط تحذيرات من احتمال نفاد المخزونات بحلول نهاية العام الجاري، نتيجة القيود الصينية على الصادرات وارتفاع الأسعار خارج الصين إلى مستويات قياسية.
وأظهرت الأزمة مدى اعتماد الصناعات اليابانية والغربية على سلاسل توريد تهيمن عليها بكين، بعدما قفز سعر أكسيد الإيتريوم خارج الصين إلى نحو 1150 دولارًا للكيلوجرام، مقارنة بنحو 9 دولارات داخلها، فيما ارتفع السعر خارج الصين بنحو 179 ضعفًا خلال عامين، وفق بيانات نقلتها مجلة "يوروبين بيزنس ماجازين" عن صحيفة "فاينانشال تايمز".
قيود صينية
فرضت بكين قيودًا مشددة على صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان، عقب تصريحات لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي العام الماضي، قالت فيها إن اندلاع صراع بشأن تايوان قد يشكل تهديدًا وجوديًا لبلادها، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين البلدين وتفاقم أزمة الإمدادات الصناعية.
وانخفضت واردات اليابان من أكسيد الإيتريوم بنسبة 74% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها قبل عامين، فيما أظهرت بيانات الجمارك الصينية توقف الشحنات إلى اليابان من الإيتريوم والديسبروسيوم والتيربيوم خلال يونيو الماضي، ما دفع الشركات اليابانية إلى السحب من مخزوناتها للحفاظ على استمرار الإنتاج، بحسب التقرير.
وحذر مسؤول ياباني من أن الوقت المتاح لمعالجة الأزمة يُقاس بالأشهر وليس بالسنوات، بينما أشار مسؤول أمريكي إلى أن الصين تسمح لليابان بالحصول على الحد الأدنى من احتياجاتها، في حين تفي بنحو ثلثي التزاماتها المتعلقة بإمدادات المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما أثار مخاوف بشأن استخدام بكين سيطرتها على المواد الخام أداةً للضغط الاقتصادي والسياسي.
استخدامات حيوية
اكتسب الإيتريوم أهمية استراتيجية رغم استخدامه بكميات محدودة في المنتجات الصناعية، إذ يُستخدم في طلاء مكونات محركات الطائرات لحمايتها من درجات الحرارة المرتفعة، كما يدخل في تبطين غرف الحفر بالبلازما المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات، إلى جانب تطبيقات أخرى في التوربينات وقطاع السيارات.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، مع اعتماد سلاسل الإمداد الدفاعية الأمريكية على مكونات يابانية يدخل الإيتريوم في تصنيعها، بينما حذر مسؤولون من أن استمرار النقص قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج وارتفاع تكاليف التصنيع، بما يهدد قطاعات الطيران والإلكترونيات والتكنولوجيا المتقدمة، ويزيد المخاطر على الاقتصاد العالمي.
درس ياباني
حاولت اليابان تقليص اعتمادها على الصين منذ أزمة إمدادات المعادن الأرضية النادرة عام 2010، عندما خفضت بكين صادراتها خلال خلاف دبلوماسي بين البلدين، واستثمرت طوكيو لاحقًا في مشروعات تعدين ومعالجة خارج الصين، بينها شركة "ليناس" الأسترالية، إلى جانب بناء مخزونات استراتيجية والبحث عن رواسب للمعادن النادرة في قاع البحر قرب جزيرة ميناميتوريشيما.
وتراجعت حصة الصين من واردات اليابان من المعادن الأرضية النادرة من نحو 90% إلى قرابة 60% خلال السنوات الخمسة عشرة الماضية، لكن اعتماد اليابان على الصين في بعض العناصر الأرضية النادرة الثقيلة لا يزال يقترب من 100%، وهو ما كشف محدودية جهود تنويع الإمدادات عندما يتعلق الأمر بمواد يصعب استبدالها أو إنتاجها تجاريًا خارج الصين.
وفي هذا السياق، سعت طوكيو إلى حشد الدعم الأمريكي للضغط على بكين لتخفيف القيود، بالتزامن مع تشكيل مجموعة استجابة سريعة أمريكية يابانية للتعامل مع اضطرابات الإمدادات، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القيود إلى إجبار الحكومات والشركات على تقديم تنازلات تجارية أو سياسية لتأمين المواد الأساسية.
بدائل أوروبية
دفعت الأزمة الدول الأوروبية إلى تسريع جهود إنشاء قدرات محلية لمعالجة المعادن الأرضية النادرة، في وقت تعتمد فيه الصناعات الأوروبية على سلاسل توريد خارجية في قطاعات الطيران والسيارات وأشباه الموصلات، ما يزيد احتمالات انتقال آثار نقص الإيتريوم إلى المصانع الأوروبية إذا استمرت الاضطرابات في اليابان.
واقترب مشروع "كيرماج" الفرنسي في منطقة لاك بجنوب غرب فرنسا من بدء التشغيل بنهاية العام الجاري، بطاقة مستهدفة تبلغ نحو 600 طن سنويًا من أكاسيد الديسبروسيوم والتيربيوم، بما يعادل قرابة 15% من الإنتاج العالمي الحالي لهذين العنصرين، مع مساهمة مستثمرين يابانيين في تمويل المشروع واتفاقات لتأمين الإمدادات، وفق بيانات الشركة.
ورغم أهمية المشروع في تنويع مصادر المعادن الاستراتيجية، فإنه لا ينتج الإيتريوم تحديدًا، بل يركز على عناصر أرضية نادرة أخرى، ما يعني أن معالجة النقص الحالي تتطلب توسيع قدرات التكرير والإنتاج والتخزين لمجموعة أوسع من المعادن، إلى جانب تنويع الموردين وتقليل الاعتماد على الصين.
وكشفت الأزمة أن بكين لا تحتاج إلى وقف الإمدادات بالكامل لإحداث ضغط اقتصادي، إذ يمكن للقيود الجزئية وتقليص الكميات المتاحة رفع الأسعار وتعطيل الإنتاج، وهو ما يضع اليابان وأوروبا أمام تحدٍ طويل الأمد لبناء سلاسل توريد أكثر استقلالًا وقدرة على مقاومة الصدمات.