في خطوة تعكس تصاعد استخدام الموارد الاستراتيجية كورقة ضغط جيوسياسية، فرضت الصين قيودًا فعلية على صادرات عدد من المعادن النادرة الثقيلة والمواد الحيوية إلى اليابان، في تحرك تزامن مع توترات سياسية بين البلدين بشأن تايوان.
وتشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن صادرات معادن نادرة ثقيلة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم وأكسيد الإيتريوم، إلى جانب معدن الجاليوم المستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية، توقفت تقريبًا عن الوصول إلى اليابان منذ ديسمبر الماضي، باستثناء شحنات محدودة للغاية من الإيتريوم.
وتعد اليابان أكبر منتج للمغناطيسات المعتمدة على العناصر الأرضية النادرة خارج الصين، غير أنها لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على بكين في استيراد المعادن الثقيلة المستخدمة في صناعة المغناطيسات عالية الأداء، إضافة إلى قطاعات الطيران والدفاع وأشباه الموصلات.
ويبدو أن هذا التوقف في الصادرات لم يكن حدثًا تجاريًا عابرًا، بل جاء متزامنًا مع خلاف دبلوماسي تفجر بين بكين وطوكيو في نوفمبر بشأن تايوان، ما يعزز الانطباع بأن الصين تستخدم هيمنتها على المعادن الاستراتيجية أداة للضغط السياسي والدبلوماسي.
أزمة إمدادات
ونقل موقع "The Japan Times" عن عميل غربي تحدث دون الكشف عن هويته، إن تداعيات القيود الصينية بدأت تظهر داخل القطاع الصناعي الياباني، إذ أوقف أحد أكبر منتجي المغناطيسات في اليابان، شركة Shin-Etsu Chemical، قبول طلبات جديدة للمغناطيسات المحتوية على الديسبروسيوم.
ويشبه هذا التوجه إلى حد كبير القيود التي فرضتها بكين على صادرات المعادن نفسها إلى الولايات المتحدة خلال الحرب التجارية الجارية، ما يعكس نمطا متكررا في السياسة الاقتصادية الصينية يعتمد على التحكم في المواد الخام الحساسة.
وفي يناير الماضي، شددت الصين رسميًا ضوابط التصدير تجاه اليابان، ثم وسعتها مرتين إضافيتين خلال الشهر التالي، لتطال شركات صناعية كبرى بينها قطاعات بناء السفن ومحركات الطيران التابعة لميتسوبيشي للصناعات الثقيلة.
تأتي هذه التطورات في وقت يزور فيه وزير التجارة الياباني ريوسي أكازاوا الصين، في أعلى زيارة لمسؤول ياباني منذ اندلاع الأزمة، وسط محاولات لاحتواء التوترات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.
حيلة يابانية جديدة
وفي مواجهة الضغوط، بدأت الحكومة اليابانية اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها الإفراج عن إمدادات مخزنة عند الحاجة، بحسب مسؤول في وزارة الصناعة اليابانية، أكد أن طوكيو تتابع عن كثب مخاوف ارتفاع الأسعار وتشديد الإمدادات، دون الكشف عن تفاصيل المخزون الاستراتيجي.
ويرى خبراء أن اليابان أكثر استعدادًا اليوم مقارنة بأزمة عام 2010، عندما أدى تباطؤ الصادرات الصينية من المعادن النادرة إلى صدمة واسعة دفعت طوكيو إلى بناء مخزونات استراتيجية وتقليل الاعتماد على العناصر الثقيلة في صناعة المغناطيسات.
وقال ديفيد ميريمان، مدير الأبحاث في مؤسسة "بروجكت بلو"، إن الشركات اليابانية عملت خلال السنوات الماضية على الحد من استخدام المعادن النادرة الثقيلة والبحث عن بدائل تقنية ومصادر توريد جديدة.
ورغم القيود على المواد الخام، تواصل الصين تصدير الكميات المعتادة من المغناطيسات الجاهزة المستخدمة في صناعة السيارات والقطاعات الصناعية الأخرى، ما يشير إلى أن بكين تستهدف حلقات محددة في سلسلة الإمداد دون الوصول إلى تعطيل شامل.
وأكدت شركة TDK Corporation أنها لا تتوقع حتى الآن تأثيرًا كبيرًا على أعمالها، مشيرة إلى استمرار جهود تنويع مصادر التوريد، فيما قالت شركة ميتسوبيشي موتورز إنها نجحت في تأمين احتياجاتها من المعادن النادرة حتى منتصف العام.
بدائل خارج الصين
وعلى مدار السنوات الماضية، دعمت اليابان تطوير مصادر بديلة للمعادن النادرة خارج الصين، بما في ذلك تمويل شركة "ليناس للمعادن الأرضية النادرة" الأسترالية، التي أصبحت العام الماضي أول منتج تجاري خارج الصين للتيربيوم والديسبروسيوم المعالجين.
كما أطلقت طوكيو مشروعات لاستخراج العناصر الأرضية النادرة في أستراليا وفرنسا، إضافة إلى مشروع لإنتاج الجاليوم في أستراليا، ضمن استراتيجية طويلة الأمد لتقليص الاعتماد على الصين.
لكن رغم هذه الجهود، لا يزال استبدال الإمدادات الصينية يمثل تحديًا بالغ الصعوبة. ففي الربع الأول من عام 2026، أنتجت شركة "ليناس" نحو ثمانية أطنان فقط من الديسبروسيوم والتيربيوم، بينما كانت الصين تصدر إلى اليابان ما يقارب 14 طنًا شهريًا من المعدنين خلال عام 2024.