كشفت صحيفة بوليتيكو أن شركات صناعية ألمانية كبرى تتسابق لتكديس مخزونات من العناصر الأرضية النادرة والمواد الخام الحيوية، في ظل مخاوف متصاعدة من أن تلجأ الصين إلى تقييد صادراتها من هذه المواد انتقامًا من الضغوط التجارية الأوروبية، وذلك مع اقتراب جولة مفاوضات مصيرية تجمع الاتحاد الأوروبي وبكين مطلع أكتوبر المقبل، وفي هذا الصدد هذا ما حذرت الصحيفة من أن أوروبا تدخل هذه المواجهة وهي تعتمد على الصين في 90% من احتياجاتها لتكرير هذه العناصر التي لا غنى عنها في صناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح ومنظومات التسليح.
مفاوضات بروكسل وبكين
كشفت بوليتيكو أن مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش يتوجه إلى العاصمة الصينية في الفترة بين 8 و9 أكتوبر، حاملًا ملفًا شائكًا يتمحور حول تضييق العجز التجاري القياسي للاتحاد الأوروبي مع الصين، الذي يُناهز مليار يورو يوميًا.
وقد حذر شيفتشوفيتش صراحةً من أن بروكسل لن تتردد في فرض قيود على البضائع الصينية إن أخفقت هذه الجولة التفاوضية، غير أن هذا التهديد لم يمر دون ثمن، إذ أشعل مخاوف جدية في أوساط الصناعة الألمانية من رد انتقامي صيني يستهدف صادرات المعادن النادرة، وهو السلاح الذي لوّحت به بكين من قبل.
وفي هذا السياق، وافقت الصين على تمديد تعليق حزمة من ضوابط التصدير الإضافية على الأرض النادرة لشهرين إضافيين حتى يناير المقبل، وفق ما أعلنته واشنطن، في خطوة تكشف حجم الترابط بين الملفين الأمريكي والأوروبي مع بكين.
ذعر صناعي وتخزين طارئ
على أرض الواقع، بات المشهد الصناعي الألماني يعكس قلقًا بالغًا تجاوز حد التحذير إلى مرحلة التصرف الاستباقي.
وقد أبلغت بوليتيكو عن مسؤول صناعي رفيع رفض الكشف عن هويته، أكد أن "الشركات تنتهج سياسة التخزين المكثف في هذه المرحلة، وبعضها بدأ مبكرًا وراكم مخزونًا يكفيها لأشهر عدة"، قبل أن يُضيف بنبرة تحذيرية: "لكن الغالبية العظمى ليست في هذا الوضع المريح، وقد يتوقف الإنتاج كليًا".
ومضى مسؤول صناعي ثانٍ، في التأكيد ذاته قائلًا إن "تشديد ضوابط التصدير سيضرب الصناعة بقسوة، والوضع بالغ التوتر".
في المقابل، وصف ماتياس روث، الرئيس التنفيذي لشركة Tradium المتخصصة في تداول المعادن النادرة منذ أكثر من 25 عامًا، المشهد الأوروبي بعبارة لاذعة لصحيفة بوليتيكو: "نحن نحاول إظهار عضلات لا نمتلكها أصلًا، وعند التعامل مع شركاء بهذا الحجم، لا بد من تقدير واقعي لموقعنا الفعلي".
الهيمنة الصينية
ما يجعل المخاوف الألمانية مشروعة هو أن الصين لا تُلوّح بسلاح افتراضي، بل بسلاح جربته ميدانيًا، فحين فرضت بكين في أبريل 2024 ضوابط على صادرات سبعة عناصر أرضية نادرة، تعرّض عدد من كبرى شركات السيارات الأوروبية لاضطرابات حادة أجبرتها على تعليق بعض خطوط الإنتاج، فيما خفضت مصانع أخرى معدلات تشغيلها، وفق ما أوردته بوليتيكو.
ولم تكتفِ بكين بذلك، إذ أعلنت في أكتوبر الماضي توسيع نطاق قيودها لتشمل عناصر إضافية والتكنولوجيا المستخدمة في معالجتها.
وتكمن خطورة هذا الملف في أرقام لا تقبل المناورة، إذ تسيطر الصين على نحو 60% من التعدين العالمي للعناصر الأرضية النادرة، وعلى ما يقارب 90% من طاقة التكرير، فضلًا عن هيمنة شبه مطلقة على إنتاج المغناطيسات الدائمة عالية الأداء التي تعتمد عليها صناعة السيارات الأوروبية بنسبة تبلغ 100%، بحسب ما أكده توبياس جيرك من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لبوليتيكو، الذي أضاف: "أثبتت قيود العام الماضي كيف يمكن لهذا الملف أن يتحول إلى أزمة صناعية في غضون أسابيع".
وقد رسمت الوكالة الدولية للطاقة صورة أشد قتامة، إذ قدرت أن الخسائر المباشرة لأوروبا والولايات المتحدة قد تتخطى 1.5 تريليون دولار إن نُفذت ضوابط التصدير الصينية في صورتها الكاملة.