بدأ حلف شمال الأطلسي "الناتو" محادثات لتحديد احتياجاته العسكرية للدفاع عن أعضائه في مواجهة هجوم روسي محتمل، وسط تحذيرات أوروبية من إمكانية استعداد موسكو لمهاجمة دولة عضو في الحلف بحلول عام 2029، ومخاوف من تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.
وبحسب صحيفة "بوليتكو" الأمريكية، فإن المفاوضات ستحدد أهداف القدرات العسكرية المطلوبة من الدول الأعضاء الـ32 بحلول عام 2029، ضمن عملية تخطيط الدفاع للحلف، إذ تتركز المناقشات على خمسة ملفات رئيسية.
1- تحديد الطموح العسكري
تتمثل القضية الأولى في تحديد حجم القوات والقدرات العسكرية التي يتعين على الحلفاء توفيرها، وهو ما يُعرف بـ"مستوى الطموح". وتاريخيًا، اتفق أعضاء الناتو على الاحتفاظ بـ18 لواءً احتياطيًا، يضم كل منها نحو 5 آلاف جندي، لتنفيذ مهام إدارة الأزمات خارج أراضي الحلف، مثل العمليات في أفغانستان وكوسوفو.
لكن الضغط الأمريكي لنقل مزيد من المسؤولية الأمنية إلى الحلفاء الأوروبيين، ضمن توجه يُشار إليه باسم "الناتو 3.0"، قد يدفع الدول الأعضاء إلى تقليص متطلبات هذه العمليات أو إلغائها.
وقالت نسيمة باروز، مديرة السياسة النووية في الناتو، إن قدرات الدعم التقليدي تمثل جزءًا أساسيًا من عملية تخطيط الدفاع، فيما أكد الأدميرال الفرنسي بيير فاندييه، القائد الأعلى للحلفاء في مجال التحول، أن الهدف هو جعل الدورة الجديدة مرحلة للتحول، لا مجرد حل جاهز.
2- سد الفجوة الأمريكية
تُعد مراجعة البنتاجون المرتقبة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أحد أبرز الملفات المؤثرة في المفاوضات، وكانت واشنطن قد سحبت في وقت سابق من العام أصولًا عسكرية، شملت قاذفات استراتيجية وطائرات مقاتلة ومسيّرات وغواصات وسفنًا حربية، من القوات التي يستطيع الناتو الاعتماد عليها.
ومن المقرر صدور تقرير المراجعة في ديسمبر، خلال منتصف مفاوضات الحلف، ما يثير مخاوف من تأخيرها أو من سحب الولايات المتحدة قدرات تحتاجها أوروبا، مثل طائرات النقل الثقيلة.
ومن بين المقترحات المطروحة الانتقال من تحديد متطلبات الأسلحة بعينها إلى وضع أهداف عسكرية للدول، مثل تدمير مراكز القيادة الروسية، بما يمنح الحلفاء الأوروبيين مرونة أكبر، خصوصًا الدول التي لا تستطيع الحصول على صواريخ "توماهوك" الأمريكية.
3- صراع الأولويات الجغرافية
من المتوقع أن يثير التركيز على التهديد الروسي خلافات بين أعضاء الحلف بشأن الأولويات الجغرافية، في ظل مطالبة بعض الدول بمزيد من الاهتمام بالجناحين الجنوبي والجنوبي الشرقي، بدلًا من التركيز على شرق أوروبا وشمالها.
وعلى الرغم من تبني الناتو نظريًا نهجًا أمنيًا شاملًا، فإن تركيزه اتجه شرقًا منذ الحرب الروسية لأوكرانيا عام 2022، وشمالًا خلال العام الماضي مع إنشاء بعثة في القطب الشمالي، استجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند.
4- المسيّرات أم الدبابات؟
تفرض حرب الطائرات المسيّرة على جبهات القتال في أوكرانيا نقاشًا بشأن التوازن بين توسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة ومواصلة الاستثمار في المعدات التقليدية، مثل الدبابات والمدفعية، ويعمل معظم أعضاء الناتو على وضع خطط لزيادة استخدام هذه الأنظمة.
وأعلنت المملكة المتحدة هذا العام عن مشروع "أسطول هجين" يعتمد على سفن ذاتية القيادة، من بينها غواصات "تايب 93" غير المأهولة، وخصصت فرنسا نحو 8.4 مليار يورو للطائرات المسيّرة والذخائر المتسكعة، بينما تستعد ألمانيا لإنشاء أول فوج متخصص بالطائرات المسيّرة العام المقبل.
وتسهم صعوبات تجنيد الجنود في تعزيز هذا التوجه، وقالت كاميل جراند، رئيسة جماعة الضغط الدفاعية ASD ومسؤولة سابقة رفيعة المستوى في الناتو، إن شيخوخة المجتمعات الأوروبية ومشكلات القوى العاملة تدفع الدول إلى الاعتماد على مزيد من الأنظمة غير المأهولة.
وقال الأدميرال الفرنسي بيير فاندييه، القائد الأعلى للحلفاء في مجال التحول ورئيس الحلف لشؤون الحرب المستقبلية، إن روسيا تنتج 9 ملايين طائرة مسيّرة سنويًا، وهو ما يتطلب "جهودًا جبارة" من الناتو، مقترحًا نموذجًا قائمًا على الاشتراكات لتحديث الأجهزة ومنع تقادم أنظمة الأسلحة.
5- دروس الحرب الأوكرانية
يتفق معظم أعضاء الناتو على أن أوكرانيا تسهم في تعزيز أمنهم بفضل جيشها الكبير والمتمرس في القتال، والتطور السريع لتقنياتها العسكرية، خصوصًا الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية والبرية، والدفاعات الجوية والصواريخ، ونظام إدارة ساحة المعركة المتقدم "دلتا".
ودفعت هذه الخبرات بعض الدول إلى المطالبة بتعزيز التعاون العسكري والصناعي مع كييف، بينما يدعو آخرون إلى الحذر، لأن طبيعة الحرب في أوكرانيا تختلف عن عقيدة الناتو، التي تقوم على المناورة السريعة والتفوق الجوي والضربات الدقيقة من مسافات بعيدة.
وقالت الجنرال الأمريكية أليكسوس جرينكويتش، القائدة العليا لحلف الناتو، أمام البرلمان الأوروبي في وقت سابق من هذا الشهر: "هناك دروس بالغة الأهمية من هذا الصراع يجب علينا استيعابها"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الحلف لا يريد خوض النوع نفسه من الحروب.