كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية عن أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعمل على تشكيل دائرة مصغرة داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، أقصت منها دولاً بارزة كالمملكة المتحدة وفرنسا ودول البلطيق من اجتماع عسكري موسع تعتزم وزارة الحرب الأمريكية عقده في بولندا الشهر المقبل، وهي دول تستوفي أو تتجاوز أهداف الإنفاق الدفاعي التي يطالب بها ترامب نفسه، ما يجعل معايير الإقصاء لغزًا محيرًا حتى للحلفاء المعنيين أنفسهم.
"صيغة بيرجن"
نقلت "بوليتيكو" عن ستة دبلوماسيين مطلعين على التحضيرات، أن الاجتماع يقوده مسؤول السياسات في "البنتاجون" إلبريدج كولبي، ويتمحور حول مجموعة عمل تبحث في مستقبل الحلف وسُبل تطوير هيكله.
وكان كولبي عقد لقاءين مماثلين في وقت سابق، ضما النرويج والسويد وفنلندا وبولندا وألمانيا وهولندا فيما بات يُعرف بـ"صيغة مجموعة بيرجن"، نسبةً إلى المدينة النرويجية التي احتضنت أولى الجلسات في يونيو الماضي.
ووصف "كولبي" المدعوين آنذاك بأنهم "حلفاء يستوفون التزاماتهم الإنفاقية بسرعة، ولديهم الثقل اللازم للمساهمة الفعلية، ومستعدون للخوض في الأعمال العملية".
في المقابل، غاب عن قوائم الدعوة حلفاء محوريون، من بينهم لندن وباريس ودول البلطيق الثلاث، رغم سجلهم الدفاعي المتميز وإنفاقهم الذي يُلبي أو يتخطى العتبات التي يشترطها ترامب.
وأبدى دبلوماسيون من هذه الدول استغرابهم الصريح، إذ قال أحدهم لبوليتيكو: "نحن نفعل كل ما يُطلب منا، ونحاول أن نفهم ما هي معايير الدعوة وما الغرض من هذه الاجتماعات، ولم يصلنا حتى الآن سوى القليل".
ترامب وسياسة الثواب والعقاب
تشير "بوليتيكو" إلى أنه لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن مناخ أشمل تصنعه إدارة ترامب في علاقتها مع الحلفاء، فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، دأب الرئيس الأمريكي على وصف الناتو بأنه "شارع ذو اتجاه واحد"، شاكيًا في منشور على منصة "تروث سوشيال" من أن واشنطن "تُنفق مئات المليارات سنويًا لحماية هذه الدول دون مقابل حقيقي في وقت الحاجة".
وأفادت بوليتيكو بأن البيت الأبيض أعد في أبريل الماضي قائمة غير رسمية للتمييز بين الحلفاء المنسجمين مع أولويات ترامب وتلك الخارجة عنها، فيما أكد وزير الحرب بيت هيجسيث هذا التوجه بحثه "الحلفاء النموذجيين" ومحذرًا من أن المتخلفين عن دعم المصالح الأمريكية "سيتحملون التبعات".
ولم تقتصر هذه السياسة على أوروبا، إذ امتدت لتطاول كوريا الجنوبية، حين قلَّصت واشنطن فجأة مناوراتها العسكرية المشتركة معها، احتجاجًا على رفض سيول الانخراط في الحرب على إيران.
بين "محرك التحول" وشبح الانقسام
يتمسك المدافعون عن صيغة الاجتماعات المصغرة بأنها ليست أداة إقصاء، بل منصة لصياغة أفكار تُرفع لاحقًا إلى كامل الدول الأعضاء للنقاش والاختبار، واصفين إياها بـ"محرك التحول" للحلف بأسره.
وأكد كولبي في مؤتمر عُقد بواشنطن هذا الشهر أن الهدف هو "سحب الحلف بأكمله إلى الأمام"، مُتوقعًا أن تُسفر هذه المساعي عن "ناتو أفضل وأقوى وأكثر ديمومة يمنح أوروبا طاقة عسكرية أكبر".
وتُشير المعطيات التي أوردتها "بوليتيكو" إلى أن الدنمارك قد تنضم قريبًا إلى هذه المجموعة، في ضوء الاتفاق المُبرم مع واشنطن لتوسيع الحضور العسكري الأمريكي في جرينلاند.
غير أن هذه المبررات لا تُخمد جمر القلق المتصاعد في عواصم أوروبية عديدة، إذ حذر أحد الدبلوماسيين الستة الذين تحدثوا لبوليتيكو من أن "محاولة تصنيف أعضاء الناتو إلى جيدين وسيئين تنطوي على خطر حقيقي على الولايات المتحدة ذاتها"، قبل أن يُضيف بنبرة تنذر بما هو أعمق: "أما بالنسبة لأوروبا، فهذا مسألة وجودية".