كشفت بولندا وليتوانيا عن تحركات لتطوير خطط مشتركة لإجلاء المدنيين في حال اندلاع أزمة عسكرية أو تعرض المنطقة لتهديد أمني كبير، مع تركيز خاص على ممر سوالكي الحدودي، في خطوة تعكس تنامي اهتمام دول الجناح الشرقي لحلف الناتو بالاستعداد لسيناريوهات تشمل هجمات أو اضطرابات واسعة قد تمتد إلى دول البلطيق.
وأعلنت السلطات الليتوانية أن البلدين يعملان على إعداد إجراءات تتعلق بعمليات الإجلاء واللوجستيات والبنية التحتية، بما يسمح عند الضرورة بنقل سكان من ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا عبر الحدود إلى الأراضي البولندية، بينما لا تشير هذه التدريبات إلى توقع هجوم وشيك، بل تأتي ضمن استعدادات مدنية وأمنية لاختبار آليات التعامل مع الأزمات، بحسب السلطات الليتوانية وتقارير أوروبية نشرت الأحد.
ممر حساس
وصف مسؤولون أوروبيون ممر سوالكي بأنه نقطة ذات أهمية عسكرية ولوجستية كبيرة، إذ يمثل الشريط الحدودي الواقع بين بولندا وليتوانيا صلة برية رئيسية تربط دول البلطيق بباقي دول الناتو والاتحاد الأوروبي، كما يقع بين بيلاروسيا، الحليفة لروسيا، ومنطقة كالينينجراد الروسية، ما يجعله محورًا دائمًا في حسابات الدفاع الأوروبية.
وربطت خطط الإجلاء الممر بإمكانية استخدامه لنقل المدنيين والموارد في ظروف الطوارئ، كما تعمل السلطات في البلدين على تقييم قدرة الطرق والجسور ونقاط العبور والمواصلات على التعامل مع أعداد كبيرة من الأشخاص، إلى جانب وضع ترتيبات لتدفق المركبات وتجنب الاختناقات عند المعابر الحدودية، وفقًا للمسؤول عن مركز إدارة الأزمات الوطني في ليتوانيا فيلمنتاس فيتكوسكاس.
تدريبات واسعة
بدأت ليتوانيا تدريبات وطنية واسعة تحت اسم "Vyčio Skliautas 2026" لاختبار منظومة التعبئة والاستجابة للأزمات، وشارك فيها نحو 3 آلاف مسؤول وموظف وأفراد من المؤسسات والسلطات المحلية والمنظمات المختلفة، إلى جانب نحو ألف متطوع، بينما شارك نحو 20 ممثلًا عن مؤسسات بولندية في التدريبات المرتبطة بالإجلاء والإجراءات الحدودية.
واختبرت المناورات أنظمة تحذير السكان ونقاط التجمع والتسجيل ووسائل النقل وآليات نقل الأشخاص بين المناطق المختلفة، كما شملت سيناريوهات تتعلق بالهجمات السيبرانية والتخريب وتعطل الطاقة والاتصالات والتهديدات التي قد تستهدف البنية التحتية الحيوية، ما يعكس توسع مفهوم الاستعداد الأمني من المواجهة العسكرية المباشرة إلى حماية المجتمع والخدمات الأساسية.
وأعدت ليتوانيا بالفعل خطة داخلية لإجلاء السكان في حالات الطوارئ، بينما تركز الخطة المشتركة مع بولندا على البعد العابر للحدود، بما في ذلك استقبال مدنيين من دول البلطيق إذا تطلب الوضع ذلك، إلى جانب تنظيم حركة العابرين وتحديد المسارات المناسبة وتوفير مراكز استقبال وإقامة في الجانب البولندي.
استعدادات حدودية
ناقشت السلطات الليتوانية أيضًا إمكانية تشديد إجراءات الرقابة على الحدود في حال ظهور تهديد أمني، بهدف ضمان استمرار عمل الأشخاص في الوظائف الحيوية وعدم مغادرة أفراد يشغلون مواقع أساسية أثناء الأزمة، في الوقت نفسه الذي يجري فيه تقييم قدرة المعابر على استيعاب تدفقات كبيرة من الأشخاص في حال تنفيذ عمليات إجلاء واسعة.
وأشارت الخطط إلى أن البنية التحتية ستحتاج إلى التعامل مع حركة مزدوجة، تشمل خروج المدنيين من مناطق الخطر واستمرار مرور العاملين والمعدات والإمدادات الضرورية، وهو ما دفع المسؤولين إلى دراسة الطرق والجسور والقدرة الاستيعابية لشبكات النقل وتحديد الاختناقات المحتملة قبل اعتماد آليات الإجلاء النهائية.
وأكدت وارسو من جانبها استعدادها للمساعدة في استقبال المدنيين القادمين من دول البلطيق عند الضرورة، فيما بحثت وفود من ليتوانيا ولاتفيا خلال زيارات إلى بولندا مسائل الإخلاء الجماعي والحماية المدنية وتنظيم الاستقبال والإقامة، في إطار بناء قدرة مشتركة على إدارة تدفقات سكانية كبيرة خلال الأزمات.
تهديدات موسكو
تزامنت هذه التحركات مع تصاعد مخاوف أوروبية بشأن الأنشطة الروسية التي تصفها حكومات المنطقة بأنها جزء من حرب هجينة تشمل الطائرات المسيرة والتخريب والهجمات السيبرانية ومحاولات التأثير على البنية التحتية، بينما شهدت دول أوروبية خلال الأسابيع الأخيرة حوادث مرتبطة بالتوغل في المجال الجوي أو استهداف منشآت حيوية.
وشهدت دول البلطيق اهتمامًا متزايدًا بأمن ممر سوالكي عقب سلسلة تحركات عسكرية وتوترات مرتبطة بروسيا وبيلاروسيا، بينما عززت ليتوانيا استعداداتها المدنية والعسكرية بالتوازي مع تعزيز وجود الحلف في المنطقة، في وقت يواصل فيه الناتو التأكيد على أهمية حماية جناحه الشرقي وربط دول البلطيق ببقية أراضي الحلف.
وأظهرت خطط الإجلاء كذلك أن الحكومات الأوروبية باتت تضع في حساباتها احتمال وقوع أزمات تتجاوز نطاق القتال التقليدي، إذ تشمل الاستعدادات تعطل شبكات الكهرباء والاتصالات والطرق، إضافة إلى الهجمات السيبرانية والتخريب والنزوح المدني، بما يفرض على المؤسسات الأمنية والمدنية تنسيقًا أوسع من مجرد التحرك العسكري.
وأبقت السلطات في ليتوانيا وبولندا على الطابع الاحترازي لهذه الخطط، إذ أكدت أن التدريبات لا تعني وجود تهديد وشيك، لكنها في الوقت نفسه تعكس تحولًا في سياسات الاستعداد داخل دول البلطيق وبولندا، حيث أصبحت خطط الإجلاء وحماية البنية التحتية وإدارة الحدود جزءًا من التخطيط الأمني في مواجهة المخاطر المحتملة المرتبطة بالحرب الأوكرانية والتوتر مع موسكو.