لم تعد احتجاجات الشباب والطلاب في أوروبا مجرد تحركات مطلبية تنحصر داخل أسوار المدارس والجامعات، بل امتدت لتلامس أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية أعمق، من تراجع جودة التعليم ونقص التمويل إلى الفساد وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن.
ومن ألبانيا إلى إسبانيا، مرورًا بفرنسا وإيطاليا، تتعدد دوافع الاحتجاجات، لكن القاسم المشترك بينها هو شعور متزايد بأن الأوضاع الراهنة لا توفر للشباب مستقبلًا آمنًا، وأن التغيير لم يعد رفاهية يمكن تأجيلها.
وتكشف الاحتجاجات عن تعدد الأزمات التي تدفع الشباب والطلاب إلى الشارع. ففي فرنسا، يتصدر التعليم ونقص الموارد المشهد، بينما تتداخل في ألبانيا مطالب مكافحة الفساد وتوفير فرص العمل وحماية الأراضي والبيئة. أما في إيطاليا، فتتقاطع المطالب التعليمية مع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، في حين تمثل أزمة السكن المحرك الأبرز للاحتجاجات في إسبانيا.
فرنسا.. غضب طلابي بسبب تدهور التعليم
شهدت فرنسا خلال سبتمبر الماضي احتجاجات طلابية على خلفية أزمات متراكمة داخل المنظومة التعليمية، أبرزها نقص أعداد المدرسين وعدم توافرهم في بعض المواد الدراسية، إلى جانب تدهور البنية التحتية للمدارس، وغياب تجهيزات أساسية، مثل أنظمة التبريد والتدفئة، فضلًا عن ضعف خدمات الإنترنت في بعض المناطق، بما يحد من قدرة المؤسسات التعليمية على توفير بيئة مناسبة للتعلم.
وتعكس هذه المطالب، وفقًا لما يطرحه المحتجون، أزمة أوسع تتعلق بعدم كفاية التمويل المخصص للتعليم، وعدم قدرة المؤسسات على مواكبة احتياجات الطلاب.
ومع تصاعد الاحتجاجات، تحولت المواجهات مع الشرطة إلى محور إضافي للغضب، وسط اتهامات باستخدام القوة وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، وما رافق ذلك من إصابات وحالات اختناق. وأسهمت المواجهات في توسيع دائرة الاحتجاجات، لتتجاوز المطالب التعليمية إلى نقاش سياسي بشأن إدارة الأزمة وحدود استخدام القوة في التعامل مع التحركات الشبابية.
ودخلت القوى السياسية على خط الأزمة؛ إذ أعلن تيار اليسار دعمه للمطالب الطلابية وانتقد التعامل الأمني مع المتظاهرين، في حين قدمت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، خطابًا يركز على استعادة النظام وتعزيز قبضة الأمن، في إطار توجهاتها السياسية.
وهكذا، لم تعد أزمة الطلاب الفرنسيين مرتبطة فقط بما يحدث داخل الفصول الدراسية، بل أصبحت جزءًا من جدل أوسع حول أولويات الإنفاق العام، ومسؤولية الدولة عن الخدمات الأساسية، وطبيعة الاستجابة السياسية للاحتجاجات.
ألبانيا.. الفساد والبطالة وصراع على الأرض
في ألبانيا، تتجاوز الاحتجاجات المطالب التعليمية لتلامس أزمة ثقة أوسع في الحكومة ومؤسسات الدولة. فقد شهدت البلاد تحركات احتجاجية تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وسط تصاعد الانتقادات لأداء المؤسسات العامة.
وتتخذ قضية الأراضي والمشروعات السياحية جانبًا مهمًا من هذا الغضب، خصوصًا في ظل الجدل حول مشروعات استثمارية مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مناطق ساحلية ألبانية. وقد أثارت هذه المشروعات مخاوف بشأن مستقبل الأراضي المحلية، وطبيعة الاستثمارات الأجنبية، وتأثيرها المحتمل على البيئة والمجتمعات المحيطة، ورفعت شعارات احتجاجية تؤكد أن "ألبانيا ليست للبيع".
كما يُثار الجدل حول مشروعات سياحية مرتبطة بكوشنر وإيفانكا ترامب مخاوف بيئية، خصوصًا في المناطق التي تتمتع بتنوع طبيعي وتستضيف أنواعًا من الطيور المهاجرة. ويخشى معارضو هذه المشروعات أن تؤدي التنمية السياحية غير المنضبطة إلى الإضرار بالموائل الطبيعية، في وقت تتصاعد فيه المطالب بإخضاع الاستثمارات الكبرى لمعايير أكثر صرامة لحماية البيئة والمصلحة العامة.
وفي هذا السياق، تصبح الاحتجاجات الطلابية والشبابية جزءًا من حركة أوسع تعترض على الفساد وتراجع الفرص الاقتصادية، وتطالب بأن تكون القرارات المتعلقة بالأراضي والموارد الوطنية أكثر شفافية واستجابة لمطالب المواطنين.
إيطاليا.. التعليم تحت ضغط الغلاء
شهدت إيطاليا بدورها احتجاجات طلابية تركزت على تراجع الخدمات التعليمية ونقص الموارد، في ظل مطالب بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات التعليمية.
ولم تقتصر التحركات على الطلاب، بل امتدت إلى المدرسين والعاملين في قطاع التعليم، الذين طالبوا بزيادة الرواتب وتوفير التمويل اللازم وتعيين مزيد من المعلمين والعاملين، بما يتناسب مع احتياجات المدارس والمؤسسات التعليمية.
لكن الغضب في إيطاليا يتجاوز حدود التعليم؛ إذ تتقاطع المطالب الطلابية مع شكاوى شرائح اجتماعية أخرى من ارتفاع أسعار الطاقة والوقود وتكاليف المعيشة، في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر الإيطالية.
وتضع هذه الأوضاع حكومة جورجيا ميلوني أمام تحدٍ سياسي متزايد، مع تصاعد المطالب بتحسين الخدمات العامة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية، وتقديم حلول ملموسة للأزمات التي تؤثر في الحياة اليومية للمواطنين، لا سيما الشباب الذين يواجهون صعوبات في بناء مستقبل اقتصادي مستقر.
وبذلك، تتحول الاحتجاجات إلى مؤشر على اتساع الفجوة بين تطلعات قطاعات من المجتمع والسياسات الحكومية، في وقت تتزايد فيه أهمية ملفات التعليم والعمل والقدرة الشرائية في تشكيل المزاج العام.
إسبانيا.. أزمة السكن تشعل الغضب
في إسبانيا، تصدرت أزمة السكن المشهد الاحتجاجي، مع خروج مظاهرات حاشدة في مدريد ومدن أخرى، للمطالبة بتدخل عاجل لاحتواء ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، وتوفير مساكن بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين.
وتصاعد الغضب الشعبي مع تعثر إجراءات حكومية كانت تستهدف معالجة الأزمة، بعدما واجهت مقترحات متعلقة بتنظيم سوق العقارات والإيجارات عقبات سياسية داخل البرلمان. وشملت التدابير المطروحة إجراءات للحد من المضاربة العقارية، وتنظيم الإيجارات الموسمية وتأجير الغرف، في محاولة لزيادة قدرة المواطنين على الوصول إلى مساكن ملائمة.
وتزايدت حدة الاحتجاجات وسط مخاوف من أن يتحول السكن إلى عبء يستنزف دخول الشباب، ويؤخر استقلالهم عن أسرهم، ويحد من قدرتهم على تأسيس حياة مستقرة. كما أسهمت حالات الإخلاء السكني التي أثارت جدلًا عامًا في تسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية للأزمة، خصوصًا بالنسبة إلى كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
وقدّرت السلطات مشاركة نحو 70 ألف شخص في إحدى موجات الاحتجاج، بينما رفع المنظمون تقديراتهم إلى نحو 500 ألف متظاهر، في اختلاف يعكس حجم التعبئة الشعبية حول القضية.
وأمام الضغوط، سعى رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدفع بإجراءات لمعالجة الأزمة، لكن الخلافات السياسية بشأن هذه التدابير زادت من تعقيد المشهد. وأصبح ملف السكن اختبارًا لقدرة الحكومة والمؤسسات التشريعية على التوصل إلى حلول عملية، في ظل شعور قطاعات من الشباب بأن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار العقارات يحرمهم من أحد أبسط مقومات الاستقرار.