تتواصل الاحتجاجات الطلابية في فرنسا للأسبوع الثالث على التوالي، وسط غضب متزايد من تدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين واكتظاظ الفصول الدراسية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الأزمة عبر التعهد بإصلاح المنشآت التعليمية وتوفير مدرسين بدلاء، بينما يهدد انضمام النقابات العمالية إلى التحركات بتوسيع نطاقها إلى موجة احتجاجات وطنية.
وشهدت العاصمة باريس ومدن فرنسية أخرى، الخميس، مظاهرات شارك فيها آلاف الطلاب، في ثاني أيام الاحتجاجات هذا الأسبوع، مرددين هتافات مناهضة للحكومة والرئيس إيمانويل ماكرون، وسط اشتباكات متفرقة مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين ألقوا نباتات ومقاعد وأجزاء من الأثاث باتجاه عناصرها.
ورغم أن السلطات قدرت أعداد المشاركين بأنها أقل من تلك المسجلة في مظاهرات الثلاثاء الماضي، فإن التحركات ظلت واسعة، بعدما تسببت الاحتجاجات، منذ انطلاقها قبل أكثر من أسبوعين، في إغلاق مئات المدارس، مع الاستعداد لتنظيم مزيد من المظاهرات خلال الأسبوع المقبل.
مخاوف من التصعيد
بحسب وزارة الداخلية الفرنسية، شارك نحو 266 ألف شخص في احتجاجات الثلاثاء على مستوى البلاد، بينهم 71 ألفًا و500 شخص في باريس، بينما قدرت النقابات أعداد المشاركين بأكثر من ضعف هذه الأرقام.
وأعلنت وزارة التعليم إغلاق ما يزيد قليلًا على 150 مدرسة ثانوية الخميس، مقارنة بنحو 900 مدرسة الثلاثاء.
ومن المتوقع أن تتسع الاحتجاجات الأسبوع المقبل، بعدما دعت إحدى كبرى نقابات المعلمين إلى مشاركة مدرسي المدارس الثانوية وأساتذة الجامعات في يوم ثالث من التحركات الوطنية.
وقارن بعض الطلاب الأجواء باحتجاجات مايو 1968، التي شهدت مظاهرات واسعة وإضرابات عامة في فرنسا، إلا أن المؤرخ جوليان بورج رأى أن التحركات الحالية لا تزال أكثر تركيزًا على مطالب التعليم، محذرًا في الوقت نفسه من أن احتجاجات مطلبية قد تتحول إلى أزمة سياسية أوسع إذا اتسعت دائرة المطالب والمشاركة الشعبية.
تدهور التعليم
ويحتج الطلاب على اكتظاظ الفصول وغياب المعلمين وتردي البنية التحتية للمدارس، إلى جانب مخاوف تتعلق بالسياسات الحكومية الخاصة بالمساعدات السكنية للطلاب والرسوم الجامعية المفروضة على الأجانب.
وقال عدد من المشاركين إن انتشار مقاطع مصورة عبر الإنترنت لاعتداءات الشرطة على طلاب المدارس الثانوية زاد من غضبهم، معتبرين أن التعامل الأمني مع المحتجين يقيد حقهم في التظاهر السلمي.
وفي ساحة الباستيل بباريس، قالت الطالبة كيرا أندروود، البالغة 20 عامًا، إن "رؤية الشرطة تستخدم القوة ضد طلاب المدارس الثانوية أمر صادم"، فيما انتقد طالب إدارة الأعمال أوريان لوبسكاند، البالغ 20 عامًا، استخدام الغاز المسيل للدموع، معتبرًا أن ذلك يبعث برسالة مفادها أن الطلاب لا يملكون الحق في الاحتجاج.
وامتدت المطالب إلى قضايا اجتماعية أوسع، إذ أعرب طلاب عن قلقهم من تجميد المساعدات السكنية واحتمال زيادة الرسوم الجامعية على الطلاب الأجانب، فيما أكد آخرون تضامنهم مع زملائهم في الضواحي التي تعاني مستويات أعلى من الفقر والبطالة ونقص المعلمين.
تعهدات الحكومة
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، التقى وزير التعليم الفرنسي إدوار جفراي، الخميس، ممثلين عن ثلاث مجموعات طلابية رئيسية، وبحث معهم أوضاع المباني المدرسية، ومشكلات نظام القبول الجامعي، وغياب المعلمين، وأهمية الحوار والديمقراطية داخل المؤسسات التعليمية.
كما تعهد الوزير بعدم خفض الوظائف في المدارس، وأعلن لاحقًا نشر 3 آلاف مدرس بديل خلال الأيام المقبلة في المدارس الثانوية الأكثر احتياجًا، إلا أن تأجيل الإعلان عن الموازنة التعليمية الجديدة إلى 12 نوفمبر أثار استياء الطلاب.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قد تعهد، في خطاب متلفز الأربعاء، بشغل الوظائف التعليمية الشاغرة وتحديد المشكلات العاجلة في المباني المدرسية، داعيًا الطلاب والمعلمين إلى مناقشة سبل تحسين التعليم.
لكن عددًا من المحتجين اعتبروا هذه الوعود محاولة لكسب الوقت، مؤكدين أنهم سيواصلون تحركاتهم إلى حين الاستجابة لمطالبهم.