الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

عن غزة التي كانت.. كيف وثقت العدسات صور قطاع اختفت ملامحه؟

  • مشاركة :
post-title
نازحون في قطاع غزة يتوجهون شمالا عقب وقف إطلاق النار

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

إذا ما نظرنا إلى الصور التي التقطتها عدسات المصورين في قطاع غزة قبل 7 أكتوبر 2023، ربما لم تكن الكاميرا حينها تبحث عن مشهد استثنائي. فقط كان أهالي القطاع المحاصر يمارسون معاناتهم اليومية؛ يذهبون إلى السوق بينما الباعة يرتبون بضائعهم أمام المحال، الأطفال يعبرون الشوارع أمام السيارات التي تتحرك في الطرقات الصغيرة المزدحمة، وكذلك هناك بعض العائلات التي تتجمع قرب البحر.

في هذه الصور التي صارت معالمها تاريخًا وأصحابها شهداء، كانت غزة تبدو مدينة تمارس يومها العادي تحت ثقل الاحتلال. ولم يكن أحد يعلم أن تلك الصور اليوم صارت وثيقة بصرية بالغة القيمة؛ لأن ما اعتبره المصورون يومًا تفاصيل عابرة للحياة اليومية أصبح بعد ثلاث سنوات دليلًا على شكل مدينة انمحى كل شيء فيها تقريبًا.

هكذا، عندما نضع هذه الصور بجوار أخرى التُقطت بعد الحرب، لا يظهر الفرق فقط في المباني التي سقطت أو الشوارع التي امتلأت بالركام، بل الأهم أن وظيفة المكان نفسها تغيّرت. فقد صار الطريق الذي كان يقود إلى العمل أو السوق طريقًا للفرار أو العودة إلى موضع آمن من الرصاص أو القذائف وبعيدًا عن طلعات المسيّرات، والسوق الذي كان مركزًا للحركة اليومية اضطر بائعوه إلى العمل وسط الدمار. والشاطئ الذي كان مساحة للجلوس والعمل والتنزه تحول في أجزاء منه إلى جغرافيا واسعة للنزوح والخيام.

شوارعها التي كانت

على الشبكة العنكبوتية، يحفظ أرشيف المصور الغزي جابر جهاد بدوان عشرات الصور التي التقطها قبل الحرب. وفيها تتنقل بين الشوارع والأسواق والواجهة البحرية والأحياء السكنية والمعالم اليومية للمدينة.

في هذه الصور تبدو غزة مكتملة الوظائف، حيث الشوارع مخصصة للمرور، الأسواق للبيع والشراء، المقاهي للجلوس، والبحر فضاءً مفتوحًا للحياة. وفي أحد أسواق المدينة التقط بدوان صورًا قبل الحرب، يظهر الباعة والمتسوقون في ممرات ضيقة، والخضراوات والفواكه مكدسة أمام المحال، فيما يتحرك الناس وسط الزحام كما يفعلون في أي مدينة مكتظة.

حتى مخيم جباليا، الذي كان أحد أكثر مناطق القطاع كثافة، يحتفظ في أرشيف المصورة الفلسطينية فاطمة شبير بصور لحياته اليومية قبل الحرب. كانت إحدى صورها من أبريل 2022 تُظهر سوقًا في المخيم خلال الأيام الأخيرة من رمضان مليئًا بالمحال المفتوحة والمتسوقين الذين يستعرضون الملابس استعدادًا للعيد بينما الأطفال يتحركون بين الزحام. الصورة لا تحمل أي إشارة إلى أنها ستصبح بعد سنوات قليلة وثيقة عن مكان تبدلت ملامحه جذريًا.

الآن، صار المخيم ركامًا وأثرًا بعد عين، لكن العدسات الرقمية حفظت تفاصيل يصعب استعادتها من الأرقام أو الخرائط وحدها، لتؤكد أن أصحابها بدورهم ليسوا أرقامًا.

عندما تغير شارع الرشيد

ربما لا يوجد مكان يوضح التحول المدمر لقطاع غزة أكثر من شارع الرشيد، الطريق الساحلي الذي كان جزءًا من الحركة اليومية في مدينة غزة ومحيطها.

قبل الحرب، كان شارع الرشيد وسيلة للانتقال بين الأحياء والمناطق الساحلية، تحيط به مبانٍ ومطاعم ومقاهٍ ومرافق مرتبطة بحياة المدينة. وتُظهر صور أرشيفية للمكان السيارات والمشاة والمنشآت الساحلية في مشهد لا يختلف عن أي طريق رئيسي في مدينة مكتظة.

في يناير 2025، حمل الشارع معنى مختلفًا تمامًا. بعد بدء وقف إطلاق النار، ظهر آلاف الفلسطينيين وهم يسلكون الطريق شمالًا في رحلة العودة من مناطق النزوح، يحملون حقائب وأغطية وأغراضًا شخصية، ويمشون في مجموعات طويلة تمتد على الطريق الساحلي.

وعندما التقط مصورو الأونروا صورًا للمشهد في 27 و28 يناير، ظهر الشارع الذي كان مخصصًا للمرور جزءًا من رحلة جماعية للبحث عن البيوت والأحياء التي تركها الناس خلفهم بينما الخراب يحيط بالطريق. هكذا، وبينما في الصورة القديمة كان كل شخص يتحرك نحو وجهته الخاصة، يتحرك آلاف الفلسطينيين في الصورة الجديدة في اتجاه واحد، بعد أن أجبرتهم الحرب على أن يصبح الطريق نفسه مرحلة من مراحل النزوح والعودة.

عاد السوق ولم تعد المدينة

لا تقل صور أسواق غزة شيئًا عن الدمار أقل مما تقوله صور شوارعها، بل تبوح أكثر، كاشفة كيف يحاول أصحاب الأرض استعادة أبسط وظائف الحياة وسط واقع لم يبق منه سوى الغبار.

في فبراير 2025، التقط جابر بدوان صورًا من سوق الخضروات في غزة بعد وقف إطلاق النار. الخضراوات مكدسة، والناس يتفاوضون ويتحركون، لكن المشهد المحيط بالسوق فقد كثيرًا من ملامحه السابقة.

وفي صور أخرى من الفترة نفسها، ظهرت عمليات بيع الخضروات والفواكه داخل الخيام، في انتقال واضح من المحل إلى المساحة المؤقتة.

هنا تكمن واحدة من أهم المفارقات، فالسوق يمكن أن يعود حتى عندما لا تعود المدينة. وبعد أن كان جزءًا طبيعيًا من الحي، تحول إلى نشاط يعمل وسط الركام أو تحت غطاء خيمة.

وفي جباليا، تبدو المفارقة أكثر حدة. فالصورة القديمة للسوق المركزي، بما تحويه من باعة ومتسوقين وحركة يومية، تقابلها صور لاحقة لأسواق أقيمت وسط الأنقاض لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. بالطبع ما زالت هناك خضروات وطعام وناس يشترون ويبيعون، لكن الجدران التي كانت تمنح السوق حياته اختفت أو تحولت إلى أنقاض.

أيضًا، تقدم جباليا واحدة من أكثر المقارنات الإنسانية قسوة. فالمخيم الذي يظهر في الصور القديمة مجتمعًا مكتظًا بالحركة والأسواق والمحال، يظهر في صور ما بعد الحرب ساحة من الأنقاض، فيما يحاول السكان العودة أو إعادة ترتيب حياتهم داخل ما تبقى.

وعندما وثقت صور مصوري الأونروا عودة السكان إلى شمال غزة مرورًا عبر مناطق مدمرة، أظهرت صور أخرى غيرهم يسيرون فوق الركام بحثًا عن منازلهم في مشهد يحمل مفارقة مؤلمة.