بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر الذي فاجأ أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، لم تعد تل أبيب تبحث فقط عن إجابة لسؤال كيف تمكنت حماس والفصائل الفلسطينية من اختراق حدودها بهذه السهولة، وإنما تواجه سؤالًا أكثر إحراجًا بالنسبة إلى واحدة من أكثر المنظومات الاستخباراتية في العالم ترويجًا لنفسها، هو كيف أمكن لأجهزة تمتلك هذا القدر من التكنولوجيا والمصادر البشرية والقدرات الإلكترونية والعمليات السرية أن تجمع هذا الكم من المعلومات، ثم تخطئ في قراءة معناها؟ فإسرائيل التي استطاعت على مدى عقود تعقب خصومها في أماكن بعيدة، واختراق شبكات شديدة التعقيد، والوصول إلى أهداف داخل دول معادية، فوجئت بخصمها الأقرب والأبرز يتحرك لعملية واسعة النطاق تحت أنفها.
هكذا، ورغم النجاحات مهما كانت لافتة، أخفق الإسرائيليون في الإجابة عن سؤال 7 أكتوبر: هل تستطيع الاستخبارات الإسرائيلية أن تعرف متى قرر الخصم أن يغير قواعد اللعبة؟
إن ما تكشفه 7 أكتوبر هو مشكلة أوسع من جهاز واحد في منظومة تل أبيب الاستخباراتية، والتي تتعلق بالطريقة التي تجمع بها إسرائيل المعلومات، وتفسرها، وتحدد أيها مهم، ثم تقرر في النهاية ما إذا كانت الإشارات المتناثرة تعني أن الخصم يستعد لحرب فعلية.
درس معاد
قبل 7 أكتوبر بنصف قرن، واجهت إسرائيل نسخة أكثر وضوحًا من المشكلة نفسها في حرب أكتوبر 1973. كانت المعلومات موجودة بكميات كبيرة، وكانت أجهزة الاستخبارات تعتقد أنها تعرف كثيرًا عن القدرات المصرية والسورية وتحركات القوات والاستعدادات العسكرية.
ومع ذلك، فشلت المنظومة الاستخباراتية في تحويل ما تعرفه إلى تقدير صحيح. لكن السبب لم يكن غياب المعلومات بقدر ما كان وجود تصور سابق عن نية الخصم، والذي عُرف لاحقًا باسم "الكونسبتسيا" (Ha-Konseptzia)، ومفاده أن مصر وسوريا لن تبدآ حربًا واسعة ما لم تكونا مقتنعتين بإمكانية تحقيق إنجاز عسكري حاسم. لكن بدلًا من أن تستخدم المعلومات الجديدة لاختبار هذا الافتراض، جرى تفسيرها مرارًا بما ينسجم معه.
وهكذا تحولت الفرضية من أداة للتحليل إلى إطار يمنع التحليل، وهو ما وثقته لاحقًا لجنة "أجرانات" ودرسته مؤسسات بحثية غربية وإسرائيلية على مدى عقود، بينها معهد "بروكنجز" الذي خلص إلى أن الحلقة بين الاستخبارات وصانع القرار أصبحت مغلقة على نفسها، بحيث كانت كل جهة تعزز افتراضات الجهة الأخرى بدل اختبارها.
بعد خمسين عامًا تقريبًا، تغيرت الأدوات بشكل هائل، لكن النمط بدا مألوفًا بصورة مقلقة. هذه المرة لم تكن إسرائيل تمتلك فقط مصادر بشرية ووسائل استطلاع تقليدية، وإنما كانت تراقب قطاع غزة بطبقات كثيفة من التكنولوجيا تشمل الاتصالات والتنصت والكاميرات والمراقبة الجوية والفضائية ووحدات متخصصة في الاستخبارات الرقمية مثل "الوحدة 8200". ومع ذلك، كشفت التحقيقات التي ظهرت بعد 7 أكتوبر أن بعض المعلومات الأساسية كانت موجودة بالفعل قبل الهجوم بفترة طويلة.
وأفادت تحقيقات الجيش الإسرائيلي التي نقلتها "تايمز أوف إسرائيل" بأن مخططًا واسعًا لهجوم بري على إسرائيل، عُرف باسم "جدار أريحا"، كان موجودًا داخل المؤسسة العسكرية قبل الهجوم بوقت طويل، وأن القرار لدى حماس بتنفيذ الحملة اتخذ منذ 2022، لكن أجزاء كبيرة من المؤسسة تعاملت مع الخطة باعتبارها "طموحًا يفوق قدرات الحركة الفعلية"، ولم تتحول إلى إنذار استراتيجي جاد.
هذه النقطة تصبح أكثر حدة مع ما كشفت عنه التحقيقات حول "الوحدة 8200". فقبل الهجوم بأيام، وصلت إلى مستويات قيادية داخل الاستخبارات العسكرية تحذيرات من أن حماس تتجه إلى تنفيذ هجوم واسع، واستندت التحذيرات إلى مواد وتقارير عن تدريبات الحركة وخططها. ووفق ما نشرته "تايمز أوف إسرائيل" في أكتوبر 2026، فإن ضابطة في الوحدة حذرت من أن "السيف قادم" وطالبت برفع مستوى الإنذار، لكن التحذير لم ينجح في تغيير التقدير السائد لدى كبار المسؤولين.
في الواقع، هذه ليست حكاية عن غياب المعلومة، بل عن موقع المعلومة داخل النظام الأمني الإسرائيلي، حيث يمكن أن تملك الاستخبارات إشارة قوية، لكن إذا اعتبرها أصحاب القرار استثناءً أو مبالغة أو تفسيرًا بديلًا لشيء معروف، فإن وجودها في قاعدة البيانات لا يعني شيئًا على الأرض.
التكنولوجيا جزء من المشكلة
كانت إحدى أهم نتائج المراجعات الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر تتعلق تحديدًا بالتكنولوجيا. فإسرائيل بنت خلال سنوات منظومة مراقبة واسعة جعلت قطاع غزة من أكثر المناطق التي تخضع لجمع إشارات وتحليل معلومات في العالم، لكن كثافة الأدوات لم تمنع وقوع المفاجأة.
وعلى العكس، رأى باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن الاعتماد المتزايد على الاستخبارات القائمة على الإشارات والقدرات التقنية والعملياتية أدى تدريجيًا إلى تحول في وظيفة الاستخبارات العسكرية نفسها، من جهاز مهمته الأساسية الإنذار الاستراتيجي إلى جهاز يركز بدرجة أكبر على توفير معلومات وأهداف عملياتية أثناء الحرب.
ورغم أن هذا النموذج يحقق نتائج هائلة عندما يكون السؤال هو أين يوجد الهدف وكيف يمكن ضربه، فإنه يصبح أقل فاعلية عندما يكون السؤال مختلفًا تمامًا: ماذا يفكر الخصم، ومتى قرر أن ينتقل من الإعداد إلى التنفيذ؟ في الواقع، الفرق هنا جوهري.
إن التكنولوجيا جيدة في رصد ما يمكن رصده، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد المعنى السياسي والنفسي والعسكري للإشارة. الهاتف يمكن اعتراضه، والاتصال يمكن تسجيله، والتدريب يمكن تصويره، والموقع يمكن مراقبته، لكن كل هذه المعلومات تحتاج إلى عقل يفسرها ويضعها في سياق. وإذا كان هذا العقل يحمل مسبقًا تصورًا ثابتًا عن الخصم، فإن التكنولوجيا قد تزيد أحيانًا من ثقته بدل أن تزيد من قدرته على التشكيك.
لهذا، بعض التحليلات الإسرائيلية والغربية التي ظهرت بعد 7 أكتوبر لم تتحدث عن فشل التكنولوجيا بقدر ما تحدثت عن "فشل عملية الدمج والتحليل وصناعة التقدير".
لماذا الاغتيالات ناجحة والتنبؤات فاشلة؟
هذا هو السؤال الذي دومًا ما يُثير حيرة المتابعين للمنظومة الأمنية الإسرائيلية. لكن ربما تكمن الإجابة في طبيعة المهمة نفسها.
إن عملية اغتيال هدف محدد لها عناصر واضحة: تحديد الشخص، معرفة مكانه، اختراق دائرة حمايته، اختيار اللحظة، تنفيذ العملية، ثم الانسحاب أو تأمين المسار السياسي الذي يعقبها. يمكن تقييم كل مرحلة تقريبًا بناءً على نتيجة قابلة للقياس.
أما الإنذار الاستراتيجي فهو مهمة مختلفة جذريًا، لأنه يطلب من الاستخبارات أن تتعامل مع شيء لا يمكن رؤيته مباشرة: لا أحد يستطيع أن يلتقط قرار الحرب بالكاميرا، ولا توجد إشارة واحدة تقول إن الهجوم سيبدأ بعد 48 ساعة، ولا يكفي أن تعرف أن خصمًا يتدرب أو يعيد تنظيم قواته، لأن التدريب قد يكون للردع، وإعادة الانتشار قد تكون لأسباب دفاعية، والصمت قد يكون خداعًا متعمدًا.
لهذا السبب فإن جهازًا يستطيع تنفيذ عملية شديدة التعقيد ضد هدف في قلب دولة معادية يمكن أن يفشل في تحديد اللحظة التي يقرر فيها خصم آخر تغيير قواعد اللعبة. والفرق بين المهمتين أن الأولى تتطلب العثور على شخص، بينما الثانية تتطلب فهم الصورة التي كونها عن الخصم طوال سنوات.
من هنا، يمكن فهم لماذا تبدو إسرائيل شديدة البراعة في اصطياد الأفراد، لكنها تعثرت أكثر من مرة في قراءة التحولات الكبرى التي سبقت الحروب، لتظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة، فقد يتحول النجاح الاستخباراتي من مصدر قوة إلى مصدر ثقة زائدة يصنع الفشل التالي. ليس لأن الاستخبارات الإسرائيلية بدأت تصدق نجاحها أكثر مما ينبغي.
فشل متراكم
كلما اتسعت التحقيقات الإسرائيلية، بدا واضحًا أن 7 أكتوبر لم يكن نتيجة خطأ واحد في الساعات الأخيرة، وإنما نتيجة تراكم طويل من القرارات والتقديرات.
ففي مارس 2025، أقر "الشاباك" في تحقيقه الداخلي بأنه أخطأ في فهم نوايا حماس، وافترض أن الحركة لا تريد حربًا شاملة، كما أقر بأنه لم يتعامل مع بعض إشارات التحذير بالشكل المناسب. وأظهرت التحقيقات العسكرية بدورها إخفاقات مرتبطة بتقدير قدرات حماس ونواياها، وبالاعتماد المفرط على التكنولوجيا والمنظومات الدفاعية، وبالتركيز على تهديدات أخرى، خصوصًا حزب الله، على حساب الجبهة الجنوبية.
وربما يكون التلخيص الأكثر دقة للقصة كلها هو أن إسرائيل تمتلك أجهزة أثبتت قدرتها على الوصول إلى أشخاص وشبكات ومنشآت في ظروف بالغة الصعوبة. لكن قتل قائد لا يعني فهم تنظيمه، والوصول إلى شبكة اتصالات لا يعني معرفة القرار الذي يتخذه الآلاف خلفها، واختراق جهاز أو منشأة لا يعني بالضرورة فهم التحول النفسي والسياسي الذي يسبق الحرب.