في 27 سبتمبر 2023، قبل عشرة أيام فقط من اندلاع عملية "طوفان الأقصى" التي زلزلت بها الفصائل الفلسطينية إسرائيل بكل مؤسساتها، كان قطاع غزة يبدو من الفضاء وكأنه يضم الكثير من جوانب الحياة في مدينة مكتملة الملامح. أحياء متلاصقة، طرق واضحة، مناطق زراعية تحيط بالتجمعات السكنية، ومخيمات تضم نسيجًا عمرانيًا مزدحمًا.
كانت خريطة القطاع، رغم الحصار والفقر والكثافة السكانية، تقول إن لكل مكان وظيفة، سواء بيت، شارع، مدرسة، أرض زراعية، سوق، ميناء أو مخيم. لكن بعد ثلاث سنوات من القصف الإسرائيلي على كل موضع، تبدو الصورة مختلفة.
الآن، وقبلها على مدار الأشهر الستة والثلاثين السابقة، لم تعد صور الأقمار الصناعية ترصد فقط عدد المباني التي سقطت، وإنما تكشف تحولًا أعمق؛ هناك أحياء فقدت كتلتها العمرانية، طرق أصبحت أكثر وضوحًا من المباني التي كانت تحدد مسارها، أراضٍ زراعية تراجعت مساحاتها المتاحة، ومناطق ساحلية تحولت إلى تجمعات واسعة من الخيام.
في الواقع، في غزة الجديدة التي توضحها الصور الفضائية لا تختفي المباني وحدها؛ بل تختفي معها معالم المكان ووظائفه.
منظور الطائر
تمنح صور الأقمار الصناعية فرصة نادرة لرؤية قطاع غزة كاملًا من أعلى، دون رقابة إسرائيلية، وبعيدًا عن المشاهد المنفردة التي قد توثق منزلًا أو شارعًا أو حيًا. وفي صور الأقمار الصناعية الحديثة، تبدو الصورة الأوسع لغزة، حيث مدينة تتفكك في مواضع، وأراضٍ تتغير طبيعتها في مواضع أخرى، فيما تتسع المساحات التي لم تعد تحمل ملامح العمران الذي كان قائمًا فيها.
وتؤكد أحدث البيانات التي نشرتها الأمم المتحدة، استنادًا إلى تقييم مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، أن نحو 201,290 منشأة، أي ما يقرب من 82% من منشآت قطاع غزة، تعرضت لأضرار حتى 16 يونيو 2026.
ومن بين هذه المنشآت، صُنفت 134,422 منشأة على أنها مدمرة، بينما ارتفع عدد المنشآت المدمرة بنسبة 9% مقارنة بالتقييم السابق في أكتوبر 2025.
وهنا تكمن أهمية المقارنة بين الصور، وهي أن الدمار لم يتوقف عند لحظة انهيار المبنى. ففي أكثر من منطقة، تظهر صور لاحقة مباني كانت لا تزال قائمة أو بقايا قائمة من مبانٍ مدمرة، قبل أن تختفي في الصور الأحدث، وذلك في استمرار لإعادة تشكيل الأرض.
وفي جنوب القطاع، تقدم رفح الفلسطينية واحدة من أكثر الصور وضوحًا لهذا التحول. فقد كانت المدينة، قبل الحرب، شبكة عمرانية كثيفة تضم أحياء سكنية ومدارس وأسواقًا ومرافق عامة، ثم أصبحت في 2024 مقصدًا لمئات الآلاف من النازحين الذين فروا من مناطق أخرى في القطاع.
لكن المقارنة بين صور متعاقبة للمدينة تكشف وجهًا مختلفًا تمامًا. ففي منطقة تل السلطان، غربي رفح، كانت المباني والشوارع لا تزال ترسم شكل حي سكني واضح في صور سابقة. ثم بدأت الكتلة العمرانية في التراجع تدريجيًا، حتى تحولت أجزاء واسعة من المنطقة إلى مساحات من الأرض المكشوفة والركام.
وفي شمال غزة، كانت الصورة تتكرر ولكن بملامح مختلفة، حيث كانت جباليا والشجاعية من أكثر المناطق تضررًا خلال مراحل الحرب الأولى، ومع ذلك تكشف صور الأقمار الصناعية الأحدث أن المشهد لم يتجمد عند حجم الدمار الذي خلفته العمليات السابقة.
وتظهر صور عدة تغييرات جديدة في مناطق من جباليا والشجاعية بين ديسمبر 2024 وسبتمبر 2026، بما في ذلك هدم أجزاء واسعة من مناطق كانت قد تعرضت للدمار بالفعل، إلى جانب ظهور مواقع عسكرية جديدة. لكن المفارقة التي تكشفها الصور أن المدينة لا تتحول إلى ركام مرة واحدة. ففي بعض المناطق، تتحول المباني إلى بقايا، ثم تختفي هذه البقايا، وتظهر بدلًا منها مساحات مفتوحة أو طرق ومسارات جديدة.
الخسارة والعمران
في غزة، كانت الأرض الزراعية جزءًا أساسيًا من قدرة السكان على إنتاج الغذاء والحفاظ على دورة اقتصادية محلية. واليوم، تُظهر بيانات الأقمار الصناعية مدى التراجع الذي أصاب هذه المساحة.
بحسب تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، كانت نحو 27% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع لا تزال متاحة للوصول إليها حتى 24 يونيو 2026. لكن الأراضي التي كانت متاحة وغير متضررة في الوقت نفسه لم تتجاوز 3% فقط من إجمالي المساحة الزراعية. وانخفضت هذه المساحة بنسبة 25.5% مقارنة بأكتوبر 2025.
كما يوضح التقرير أن العامل الأساسي في هذا الانخفاض منذ أكتوبر 2025 لم يكن بالضرورة حدوث أضرار مادية جديدة في كل الحالات، وإنما تراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي، خصوصًا مع اتساع المنطقة الخاضعة للقيود العسكرية. وفي رفح الفلسطينية تحديدًا، أصبحت 97.2% من الأراضي الزراعية و98.4% من مساحات البيوت الزراعية غير متاحة للوصول.
وعلى امتداد الساحل، تروي المواصي فصلًا آخر من التحول. فالمساحات التي كانت تضم أراضي زراعية ومناطق منخفضة الكثافة السكانية تحولت إلى واحدة من أبرز مناطق تجمع النازحين، وباتت الكتل المتراصة من الخيام جزءًا واضحًا من المشهد الذي يمكن رصده من الأعلى.
وبدلًا من أن تعكس خريطة القطاع حاليًا توزيعًا تقليديًا للمدن والقرى والمزارع، أصبحت تعكس توزيعًا جديدًا تحكمه حركة النزوح. وهكذا يتغير شكل غزة بحسب حركة سكانها في محاولة ليست لإعادة رسم الخريطة السكانية بقدر ما هي إعادة رسم للخريطة العمرانية.
كما لا تتوقف الخسارة عند الأحياء السكنية. فالميناء الذي ارتبط لعقود بالصيد والنشاط الاقتصادي بات يحمل آثارًا مباشرة للدمار الذي أصاب القطاع البحري. وتقول بيانات منظمة الأغذية والزراعة إن تدمير قوارب الصيد والبنية التحتية للميناء ألحق ضررًا بالغًا بقطاع كان يوفر مصدر رزق وغذاء لآلاف السكان.
ويقدر التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، بينها 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرًا لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية ودعم التعافي الاقتصادي.
كما يقدر التقرير الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تعرض أكثر من 371 ألف وحدة سكنية للدمار أو الأضرار.
لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تشرح وحدها ما الذي تغير في غزة. بل الصور هي تفعل ذلك. فحين تختفي أحياء، وتتبدل مسارات الطرق، وتتراجع الأراضي الزراعية المتاحة، وتظهر تجمعات ضخمة من الخيام، وتفقد الموانئ والأسواق والمدارس وظائفها، تصبح إعادة الإعمار مشروعًا يتجاوز مواد البناء.