بدت الضفة الغربية المحتلة، بعد سنوات من الاقتحامات والمداهمات والقيود، وكأنها تدخل مرحلة جديدة من التصعيد، لم تعد فيها المواجهة محصورة في الشوارع والمنازل والأراضي الزراعية، بل امتدت إلى الذاكرة نفسها، فمع كل عملية اقتحام تتغير ملامح المكان، ومع كل هدم لمنزل أو نصب تذكاري تختفي قطعة من المشهد الذي ارتبط بسنوات طويلة من الصراع، فيما تتواصل الاعتقالات والقيود على الحركة واعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ومنذ أحداث 7 أكتوبر 2023، اتسعت دائرة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لتجمع بين العمليات العسكرية والهدم والاستيلاء على الممتلكات والتوسع الاستيطاني، إلى جانب تصاعد هجمات مستوطنين ، بينما برزت في الأيام الأخيرة خطوة جديدة تمثلت في استهداف النصب التذكارية واللافتات التي تحمل صور قتلى فلسطينيين، في مشهد يفتح فصلًا جديدًا من التصعيد يتجاوز الأرض والمباني إلى الرموز التي ارتبطت بذاكرة المدن والبلدات الفلسطينية.
بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الأربعاء، عملية واسعة في عدد من قرى وبلدات شمال غرب القدس المحتلة، تزامنت مع اقتحام منازل واعتقالات وتحقيقات ميدانية وفرض قيود على حركة السكان، فيما امتدت العملية إلى هدم الطابق السفلي من منزل الأسير قدري سمارة في بلدة بدو، بعد إخلاء المواطنين من المنطقة المحيطة بالمنزل، ما دفع عددا منهم إلى المبيت في المساجد، بحسب ما أفادت به مصادر فلسطينية.
واتسعت الحملة لتشمل بلدات بيت دقو وبيت عنان والقبيبة وبيت سوريك وقطنة، حيث داهمت القوات منازل واحتجزت مواطنين وأخضعت آخرين لتحقيقات ميدانية، بالتزامن مع إغلاق مداخل ومنع السكان من مغادرة بعض البلدات، وجاءت هذه التحركات في الوقت الذي أفادت فيه القناة 12 الإسرائيلية، نقلًا عن مصدر، بأن الجيش بدأ عملية واسعة لهدم نصب تذكارية في الضفة الغربية، في خطوة تضيف بعدًا جديدًا إلى سلسلة الإجراءات العسكرية والأمنية الإسرائيلية المتصاعدة منذ 7 أكتوبر 2023.
هدم النصب
وتزامنت العملية مع هدم قوات الاحتلال صرح الشهداء في جامعة بيرزيت، بعدما اقتحمت حرم الجامعة برفقة جرافة عسكرية، واحتجزت أحد أفراد أمن الجامعة، فيما قالت مصادر فلسطينية إن النصب كان يحمل أسماء طلبة الجامعة الذين قُتلوا برصاص قوات الاحتلال خلال السنوات الماضية، كما اقتحمت القوات عددًا من مرافق الجامعة وانتشرت في محيطها.
وفي محافظة جنين، أخطرت قوات الاحتلال بإزالة عدد من اللافتات والنصب التذكارية التي تحمل صور فلسطينيين قُتلوا خلال السنوات الماضية، وشملت الإخطارات لافتات في مدينة جنين تحمل صور ثلاثة قتلى، إلى جانب نصب تذكاري يحمل صورة محمود خالد عرعراوي، وآخر يحمل صورة تامر عزمي نشرتي، كما شملت إخطارًا بإزالة لافتة تحمل صور نضال أمين زيدان حازم ويوسف صلاح بركة، ونصبًا تذكاريًا للشهيد الأسير ياسر ذياب حمدوني في بلدة يعبد، وتأتي هذه الإجراءات بالتوازي مع عمليات اقتحام واعتقال وهدم أخرى في محافظات الضفة.
وتظهر هذه التحركات أن التصعيد لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية والاعتقالات، وإنما امتد إلى الرموز والآثار المرتبطة بالقتلى الفلسطينيين، في وقت تتواصل فيه عمليات هدم منازل ومنشآت مدنية، وتفرض القوات قيودًا على الحركة، وتستخدم بعض المنازل مؤقتًا لأغراض عسكرية، وهي ممارسات وثقت الأمم المتحدة استمرارها خلال عام 2026.
اقتحامات متواصلة
وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة عمليات الاقتحام والاعتقال في محافظات عدة، إذ اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة أطفال في قريتي دير شرف وقوصين غرب نابلس، كما اعتقلت فلسطينيين في رام الله وجنين وطوباس وبيت لحم، بينما اقتحمت بلدات وقرى عدة في رام الله والبيرة وسلفيت وطولكرم، وشددت إجراءاتها العسكرية على الطرق والمداخل، ونصبت حواجز أوقفت خلالها المركبات وفتشتها.
وفي طولكرم، تركز انتشار القوات في وسط المدينة ومحيط عدد من الميادين الرئيسية، وترافق ذلك مع منع حركة المركبات والمواطنين واحتجاز عدد منهم، قبل أن تعتقل القوات شبانًا من الحي الجنوبي وتقتادهم مكبلين ومعصوبي الأعين، فيما قالت مصادر فلسطينية إن بعضهم استخدموا دروعًا بشرية، كما استولت القوات على منزل في قرية الجاروشية وحولته إلى ثكنة عسكرية.
وامتدت الإجراءات إلى مخيمي طولكرم ونور شمس ومحيطهما، حيث استمر الحصار والانتشار العسكري وتعطيل الحركة والحياة العامة، بينما قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 33 ألف فلسطيني نزحوا منذ يناير 2025 من مخيمي طولكرم ونور شمس ومخيم جنين والمناطق المحيطة بها نتيجة العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة، وهو ما يعكس اتساع أثر العمليات من الأهداف العسكرية المباشرة إلى الحياة اليومية للسكان.
عنف المستوطنين
وتزامنت العمليات العسكرية مع تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين وأراضيهم، إذ هاجمت مجموعات من المستوطنين تجمع معازي جبع البدوي قرب بلدة جبع شمال شرق القدس، وأصابت عددًا من المواطنين وأحرقت مساكن وحظائر وحطمت مركبات، بينما قالت مصادر فلسطينية إن قوات الاحتلال الموجودة في محيط التجمع وفرت الحماية للمهاجمين ولم تتدخل لمنع الاعتداء.
وفي جنين وقلقيلية والخليل ونابلس وطولكرم ورام الله وبيت لحم، تكررت الاعتداءات على المزارعين وقاطفي الزيتون، وشملت الضرب وإطلاق النار في الهواء وسرقة المحاصيل وتحطيم الأشجار وإتلاف الممتلكات، بينما أقام مستعمرون بؤرة جديدة في منطقة اسطيح بقرية الديوك التحتا في أريحا والأغوار، بعد إدخال معدات وسواتر وآليات إلى المنطقة.
وسجلت الأمم المتحدة ارتفاعًا واضحًا في وتيرة هذا النوع من الاعتداءات، إذ وثقت أكثر من 1600 هجوم نفذه مستعمرون وأدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات خلال الفترة بين يناير وأغسطس 2026، وشملت الهجمات 275 تجمعًا فلسطينيًا بمتوسط 6.7 هجمات يوميًا، مقارنة بخمس هجمات يوميًا خلال عام 2025.
كما وثقت الأمم المتحدة خلال يوليو أن عام 2026 شهد بالفعل عددًا من القتلى الفلسطينيين في هجمات المستوطنين يتجاوز إجمالي عام 2025، بعدما قتل 18 فلسطينيًا حتى 20 يوليو، مقابل 17 طوال العام السابق، في وقت تواصلت فيه عمليات هدم المنازل والمنشآت الزراعية ومصادر المياه ووسائل كسب الرزق.
هدم وتهجير
وتزامن التصعيد الأمني مع استمرار عمليات الهدم والاستيلاء على الممتلكات، إذ هدمت قوات الاحتلال منزلًا في منطقة الديرات شرق يطا جنوب الخليل، إضافة إلى بئر مياه وخيمة وحظائر للأغنام، بينما استولت على شاحنة في خربة الفخيت بمسافر يطا بحجة وجودها داخل منطقة تصنفها إسرائيل "منطقة إطلاق نار".
وأظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عمليات الهدم لا تستهدف المنازل فقط، ففي النصف الأول من 2026 كان نحو 71% من المنشآت التي هدمت في المنطقة "ج" بدعوى عدم الحصول على تراخيص بناء إسرائيلية عبارة عن منشآت زراعية أو مرتبطة بسبل العيش أو المياه والصرف الصحي، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الأسر الفلسطينية على البقاء في مناطقها.
وتجاوز أثر هذه السياسات عمليات الهدم الفردية، إذ قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 6200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3000 طفل، نزحوا منذ يناير 2023 بسبب مزيج من هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والقيود المرتبطة بها، فيما تجاوز عدد النازحين منذ بداية 2026 وحدها 2300 شخص حتى نهاية يوليو.
ما بعد 7 أكتوبر
وتعود نقطة التحول الأبرز إلى ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، عندما اتسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة بالتوازي مع الحرب في قطاع غزة، وترافقت مع قيود أوسع على الحركة والعمل، وتصاعد عمليات الاعتقال والمداهمات وهجمات المستوطنين ، كما شهدت بعض التجمعات الفلسطينية عمليات نزوح قسري نتيجة تداخل العنف مع القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمراعي ومصادر المياه.
ووثقت الأمم المتحدة منذ يناير 2023 نزوح 116 تجمعًا فلسطينيًا بشكل كامل أو جزئي نتيجة هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، بينها 45 تجمعًا تعرضت للتهجير الكامل، وكانت 14 منها قد نزحت خلال عام 2023، بينها 10 تجمعات بعد 7 أكتوبر، فيما تجاوز إجمالي عدد الفلسطينيين الذين نزحوا في هذا السياق 5800 شخص.
وتواصلت هذه السياسة خلال 2026 مع تشديد القيود على الطرق والحواجز وتوسيع عمليات الاقتحام والهدم، ففي سبتمبر وحده هدمت السلطات الإسرائيلية 86 منشأة فلسطينية خلال أسبوع واحد في الضفة الغربية، بحسب الأمم المتحدة، ما أدى إلى نزوح وفقدان مصادر رزق وتعطيل الوصول إلى المياه والخدمات.