أغلى ما تملكه أمة ليس فقط ما تبنيه في حاضرها، وإنما ما تحفظه من ذاكرتها، وفي غزة، لم يقتصر الدمار خلال السنوات الثلاث الماضية على المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، بل امتد إلى طبقات من التاريخ الفلسطيني الممتد لآلاف السنين.
مساجد وكنائس ومبانٍ أثرية ومتاحف ومدارس وجامعات ومراكز ثقافية، أصبحت جميعها جزءًا من مشهد الدمار الذي خلّفته الحرب، حين تنهار حجارة مبنى أثري، لا يختفي مبنى فحسب، وإنما قد تختفي معه وثائق وشواهد مادية على تاريخ مجتمع بأكمله.
تاريخ تحت القصف
دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلية، المباني الأثرية في غزة من بينها الكثير المسجل في قوائم اليونسكو التاريخية، وغيرها من الآثار التي تعود لآلاف السنوات، مثل مسجد العمري الكبير الذي تبلغ مساحتة 4100 متر مربع، ويتميز بهندسة معمارية على الطراز البازيليكي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ومسجد السيد هاشم وحمام السمرة الذي يعتبر ثاني أقدم المعالم بعد المسجد العمري، وهو الوحيد المتبقي من الحمامات التاريخية في قطاع غزة، أنشئ في العهد العثماني على مساحة 500 متر مربع.
إضافة إلى قصر الباشا دار السعادة ومقبرة دير البلح وهي من أهم المقابر التاريخية والأثرية في غزة، حيث تعكس تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى عصور عدة، والكنيسة البيزنطية يزيد عمرها على 1600 عام، حيث تعود إلى عام 444 ميلادي. وتُعدّ الكنيسة، التي تعرضت للدمار الكامل، من أهم المواقع الأثرية في قطاع غزة، ومن أبرز المعالم في بلاد الشام عامة. ومسجد الظفر دمري الأثري ودار السقا الأثرية التي تبلغ مساحته 700 متر مربع من ساحة ببلاط رخامي جُلب من جبال وسط فلسطين ومساكر تدل على وجود بئر، وباب رئيسي طوله متران يأخذ شكل زاوية قائمة مُعتماً حفاظاً على خصوصية أهل البيت، وإيوان لاستقبال الضيوف، وغرف المعيشة إضافة إلى المطبخ والحمام، والمدرسة الكاميلية وهي المدرسة التاريخية الوحيدة المتبقية في غزة، وتقع في قلب البلدة القديمة في غزة. وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك الأيوبي الكامل الذي بناها سنة 653هـ (1237م).
ذاكرة الأديان
لم يكن التراث الديني بمنأى عن الحرب، وأشارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" إلى أضرار واسعة لحقت بمواقع ثقافية ودينية في القطاع.
وشملت قائمة المواقع المتضررة عددًا من المساجد التاريخية، من بينها مسجد ابن عثمان، وجامع علي بن مروان، وجامع الشيخ زكريا، والجامع المغربي، وجامع الست رقية، إلى جانب عدد آخر من المساجد.
كما لحقت أضرار بمواقع مسيحية، من بينها مجمع كنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية ومقابر ومواقع دينية مسيحية أخرى، وبذلك أصبح استهداف المباني الدينية ذا أثر يتجاوز الجانب المعماري؛ فهي أماكن ارتبطت بحياة السكان وطقوسهم وذاكرتهم الجماعية على مدار أجيال.
إنقاذ الذاكرة
وسط هذا الدمار، حاول بعض العاملين في مجال التراث إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقالت حنين الأمصي، المتخصصة في ترميم وحفظ المخطوطات، في حديث سابق لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "كما نقدم الإسعافات الأولية للناس، نقوم بالأمر نفسه مع المخطوطات".
وتروي الأمصي أن أحد العاملين معها خاطر بحياته لاستعادة عدد من المخطوطات خلال القصف المكثف الذي تعرضت له البلدة القديمة في بداية الحرب، لكن جزءًا من كنز المخطوطات الإسلامية المبكرة ظل عالقًا داخل مبنى تعرض للدمار، وبقي مصيره مجهولًا.
حرب أم محو للتاريخ
تصف اليونسكو حجم الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي في غزة بأنه واسع، لكن حجم الخسارة الحقيقية لن يُعرف بالكامل إلا بعد انتهاء الحرب وإتاحة الوصول إلى المواقع المتضررة.
فغزة لا تخسر مباني عمرها مئات أو آلاف السنين فقط؛ إنها تخسر أجزاء من سرديتها التاريخية، وإذا كان إعادة بناء المنازل والبنية التحتية ممكنًا، فإن إعادة بناء التاريخ أكثر تعقيدًا.
فالحجر يمكنأن يُعاد وضعه لكن المخطوطة التي احترقت، والأرشيف الذي اختفى، والقطعة الأثرية التي فُقدت، لا يمكن استعادتها بسهولة.