الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

3 سنوات من الحرب.. نساء غزة وفتياتها يدفعن ثمن لا يحتمل

  • مشاركة :
post-title
أرشيفية

القاهرة الإخبارية - تقى أبوهيبة

"في كل مرة يحدث فيها قصف، أشعر بالرعب، تتجمد ساقاي ولا أستطيع المشي أو الحركة، وخصوصًا أن لدي أطفالًا وأحتاج إلى النهوض والركض إليهم، أخشى على أطفالي وعلى طفلي الذي لم يولد بعد".

بهذه الكلمات وصفت سيدة حامل في قطاع غزة معاناتها اليومية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، في شهادة تختصر جانبًا من فاتورة إنسانية تدفعها النساء والفتيات منذ اندلاع الحرب على غزة منذ 3 سنوات.

3 سنوات من القصف والنزوح والفقدان لم تترك النساء في غزة أمام خطر الموت وحده، وإنما وضعت الناجيات منهن أمام سلسلة متواصلة من الأزمات: حمل وولادة في ظل انهيار الخدمات الصحية، نقص حاد في مستلزمات النظافة، فقدان مصادر الدخل، تحمل مسؤولية إعالة الأسر، وحرمان الفتيات من التعليم.

آلاف بين الضحايا

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة منذ أكتوبر 2023، في واحدة من أكثر الخسائر البشرية قسوة التي تعرضت لها النساء في نزاع مسلح خلال العقود الأخيرة.

وتُظهر تحليلات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن وفيات النساء والأطفال ارتفعت بصورة واضحة خلال فترات التصعيد والقصف المكثف، ولا سيما خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، عندما شكّل النساء والأطفال نحو ثلثي إجمالي الوفيات المسجلة.

وتزامنت تلك الخسائر مع تدمير واسع للمنازل والمنشآت المدنية؛ إذ تشير البيانات إلى أن المباني السكنية شكّلت أكثر من 95% من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال المرحلة الأولى من الحرب.

لكن الأرقام، على قسوتها، لا تحكي وحدها قصة النساء اللواتي بقين على قيد الحياة.

ولادة وسط الأنقاض

في القرن الحادي والعشرين، أصبحت الولادة الآمنة جزءًا أساسيًا من خدمات الرعاية الصحية الحديثة. إلا أن النساء في غزة وجدن أنفسهن أمام واقع مختلف تمامًا، بعد أن تعرض النظام الصحي للدمار والضغط الشديد.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن نساء في غزة يواصلن الولادة في ظروف بالغة الصعوبة، بما في ذلك خارج المستشفيات ومن دون حضور كوادر طبية مؤهلة أو في أماكن تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الولادة الآمنة.

كما تعرضت مرافق الرعاية الصحية وسيارات الإسعاف لهجمات متكررة، بينما امتد الضرر إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك مرافق الولادة وعلاج الخصوبة.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، سُجل ما لا يقل عن 927 هجومًا على مرافق صحية وسيارات إسعاف بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025.

وبالنسبة لامرأة حامل، فإن الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب لم يعد أمرًا مضمونًا، بينما يمكن أن تتحول مضاعفات الحمل والولادة التي يمكن علاجها في الظروف الطبيعية إلى خطر على حياة الأم والطفل.

بلا مستلزمات أساسية

ولا تتوقف معاناة النساء عند الحمل والولادة، فقد أدى نقص المياه ومواد النظافة الشخصية إلى أزمة إضافية للفتيات والنساء، خاصة مع عدم توافر مستلزمات الدورة الشهرية بالقدر الكافي.

وبحلول منتصف عام 2025، كانت مستلزمات الدورة الشهرية الأساسية متاحة بكميات محدودة للغاية مقارنة بالاحتياجات، ما ترك أعدادًا كبيرة من النساء والفتيات من دون وسائل كافية للحفاظ على النظافة الشخصية.

ولا يمثل ذلك مشكلة صحية فقط، وإنما يمس أيضًا الكرامة الإنسانية، ويزيد مخاطر الإصابة بالالتهابات والمضاعفات الصحية، خصوصًا في ظل انهيار النظام الصحي وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية.

كما جعل النزوح المتكرر وتغير أماكن الإقامة، في ظل المخيمات والملاجئ المكتظة، الحفاظ على الحد الأدنى من الخصوصية والنظافة تحديًا يوميًا.

إعالة الأسر 

ومع استشهاد عدد كبير من الرجال أو إصابتهم، تغيرت بنية الأسرة الفلسطينية نفسها، وتشير بيانات حديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر في غزة أصبحت تترأسها امرأة، بما يقدر بنحو 86,290 أسرة.

ويمثل هذا الرقم نحو ضعف النسبة التي كانت قائمة قبل أكتوبر 2023، عندما كانت امرأة تترأس نحو أسرة واحدة من كل تسع أسر.

وتضم هذه الأسر أرامل ونساء فقدن أزواجهن، وأخريات أصبح مصير أزواجهن مجهولًا، أو أصيبوا بإصابات بالغة، أو تعرضوا للاحتجاز أو الاختفاء.

وهكذا أصبحت المرأة مطالبة، في الوقت نفسه، بتوفير الطعام والمياه والرعاية للأطفال وتأمين المأوى، وسط اقتصاد منهار وموارد شحيحة.

فتيات خارج المدارس

أما الفتيات، فدفعن أيضًا ثمنًا طويل الأمد للحرب، فتدمير المدارس وتعطيل العملية التعليمية لا يعني فقط ضياع عام دراسي أو أكثر، وإنما قد يؤدي إلى آثار تمتد لسنوات.

وتحذر هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن الفتيات اللواتي يُحرمن من التعليم يواجهن مخاطر أكبر تتعلق بالاعتماد الاقتصادي، والزواج المبكر، والحمل المبكر، وتراجع فرص العمل والمشاركة في الحياة العامة.

وبذلك لا تهدد الحرب حاضر الفتيات فقط، وإنما تعيد رسم مستقبل جيل كامل منهن.

بعد ثلاث سنوات، أصبحت النساء في غزة يحملن أكثر من عبء في الوقت نفسه: فقدان الأحبة، الخوف على الأبناء، النزوح، الفقر، غياب الرعاية الصحية، وتحمل مسؤولية الأسرة.

إنها فاتورة لا تُقاس فقط بعدد النساء اللواتي قُتلن، وإنما أيضًا بعدد الناجيات اللواتي اضطررن إلى مواصلة الحياة في ظروف تكاد تستحيل فيها الحياة.