تحركت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لحماية صوتها من الاستخدام غير المصرّح به في عصر التزييف الرقمي، بعدما تقدمت بطلب لتسجيله كعلامة تجارية لدى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية، في خطوة تستهدف مواجهة انتشار نسخ صوتية مولدة بالذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها في تسجيلات مزيفة أو محتوى مضلل ينسب إليها تصريحات لم تقلها.
وقدمت "ميلوني" الطلب في 5 أكتوبر، ويتعلق بعلامة صوتية من دون نص، عبارة عن تسجيل مدته 4 ثوان تكرر خلاله عبارة "أنا جورجيا ميلوني"، وهي الجملة المرتبطة بعنوان سيرتها الذاتية التي صدرت عام 2021، كما اشتهرت بعد استخدامها في خطاب جماهيري عام 2019 تحول لاحقًا إلى مقطع موسيقي واسع الانتشار، بحسب صحيفة "ريبوبليكا" الإيطالية وموقع "بوليتيكو".
حماية الصوت
جاءت الخطوة بعد سنوات من انتشار صور ومقاطع فيديو مزيفة استُخدمت فيها صورة ميلوني وصوتها، بما في ذلك مواد ذات طابع جنسي صُنعت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما دفع رئيسة الوزراء إلى التحذير من خطورة أدوات التزييف العميق التي يمكن أن تستهدف الشخصيات العامة والأفراد العاديين على حد سواء.
وأشارت "ميلوني" في منشور عبر "فيسبوك" إلى أن التزييف العميق يمكن أن "يخدع ويتلاعب ويستهدف أي شخص"، مضيفة أنها قادرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة هذه المواد، بينما لا يملك كثيرون الوسائل نفسها لحماية حقوقهم أو مواجهة انتشار المحتوى المزيف.
وتعود إحدى أبرز الوقائع إلى مارس 2024، عندما طلبت محكمة إيطالية من ميلوني الإدلاء بشهادتها في قضية مدنية تتعلق بمقاطع إباحية مزيفة جرى إنتاجها باستخدام صورتها، كما انتشرت خلال مايو 2026 صور أخرى معدلة بالذكاء الاصطناعي تظهر رئيسة الوزراء في أوضاع ذات طابع جنسي.
معارك قانونية
أتاح طلب تسجيل الصوت لميلوني، في حال الموافقة عليه، أساسًا قانونيًا إضافيًا للطعن في بعض الاستخدامات التجارية غير المصرح بها للتسجيل المحمي، بحسب طبيعة السلع والخدمات التي سيشملها طلب التسجيل، لكنه لن يمنحها سيطرة شاملة على أي محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي يحاكي صوتها.
وأوضحت القواعد الأوروبية أن تسجيل العلامة الصوتية لا يعني تجريم التزييف العميق بحد ذاته، كما لا يمنح صاحبة الصوت حقًا مطلقًا في منع كل محاكاة أو تقليد له، وإنما يمكن أن يوفر حماية محددة ضد الاستخدامات التجارية التي تنتهك حقوق العلامة المسجلة.
وجاء التحرك في وقت شدد فيه الاتحاد الأوروبي قواعده المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بعدما أقر في يوليو الماضي تعديلات على قانون الذكاء الاصطناعي تلزم بالكشف بوضوح عن المحتوى المزيف، وتحظر الأنظمة التي تنتج صورًا أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية ذات طابع جنسي لأشخاص محددين من دون موافقتهم.
قواعد أوروبية
شملت التشريعات الأوروبية أيضًا حظر الأنظمة التي تنتج مواد تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال، في إطار مسعى أوسع للحد من استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى يمكن أن يؤدي إلى التضليل أو الابتزاز أو انتهاك الخصوصية، بينما أصبحت شخصيات سياسية ومشاهير حول العالم من أبرز ضحايا تقنيات التزييف العميق.
واستندت الخطوة الإيطالية إلى محاولة الاستفادة من أدوات حماية الملكية الفكرية المتاحة داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت لا تزال فيه القوانين تكافح لمواكبة التطور السريع في تقنيات استنساخ الأصوات، التي باتت قادرة على إنتاج تسجيلات شديدة التشابه مع أصوات أشخاص حقيقيين باستخدام عينات صوتية محدودة.
وأبقى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية الطلب قيد المراجعة، ولم يصدر حتى الآن قرار نهائي بشأن الموافقة عليه، كما لم يرد المكتب أو الفريق القانوني المكلف بالطلب على استفسارات "بوليتيكو" بشأن تفاصيل الإجراءات.
مواجهة التزييف
عكست الخطوة في الوقت نفسه اتساع القلق السياسي بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد المسؤولين وإنتاج رسائل صوتية تبدو حقيقية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتصاعد المخاوف من إمكانية استخدام المقاطع المزيفة للتأثير على الناخبين أو نشر تصريحات مختلقة على لسان مسؤولين.
وركّزت "ميلوني" في تحركها على صوتها تحديدًا، في محاولة لمنع استخدام تسجيل محدد لأغراض تجارية دون تصريح، بينما يظل نطاق الحماية الفعلي مرتبطًا بشروط التسجيل والخدمات التي سيغطيها القرار النهائي لمكتب الملكية الفكرية الأوروبي.
وأظهرت الخطوة أن المعركة القانونية ضد التزييف العميق لم تعد تقتصر على حذف الصور والفيديوهات المضللة من المنصات الرقمية، وإنما امتدت إلى محاولة حماية الخصائص الشخصية التي يمكن استنساخها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها الصوت، مع سعي الحكومات الأوروبية إلى تطوير قواعد تواكب هذه التقنيات قبل أن تتحول المحاكاة الرقمية إلى وسيلة أكثر انتشارًا للتلاعب بالمعلومات.