استثمرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رصيدها السياسي في إحياء برنامج الطاقة النووية، مستفيدة من ارتفاع تكاليف الكهرباء وتنامي الاعتراضات على مشروعات الطاقة المتجددة، في محاولة لإعادة المفاعلات إلى البلاد بعد أكثر من ثلاثة عقود على إغلاقها، عقب استفتاءات شعبية رفضت استخدامها.
وجاء التحول في وقت تواجه فيه إيطاليا فواتير كهرباء تزيد بنحو 30% على المتوسط الأوروبي، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الغاز، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز"البريطانية.
في الوقت نفسه، ترى الحكومة اليمينية أن المفاعلات النووية الصغيرة تُمثل خيارًا طويل الأجل لتعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات.
وذكرت أن مجلس النواب الإيطالي أقر يونيو الماضي، إطارًا تشريعيًا يُمهد لإعادة إنتاج الطاقة النووية، على أن يضع مجلس الشيوخ اللمسات النهائية عليه، خلال الأيام المقبلة.
رفض متجدد
برزت المعارضة لمشروعات الطاقة المتجددة في عدد من المناطق الريفية، إذ تقود رئيسة منظمة "أصدقاء الأرض" في إيطاليا مونيكا توماسي، حملة ضد إقامة 7 توربينات رياح بارتفاع 200 متر قرب مدينة أورفييتو التاريخية، معتبرة أن المشروع يشوه المشهد الطبيعي ولا يوفر طاقة مستقرة.
وقالت توماسي إنها كانت تؤمن سابقًا بقدرة الطاقة المتجددة على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنها باتت ترى أن الطاقة النووية هي الخيار الأفضل لتحقيق إزالة الكربون دون الإضرار بالهوية الطبيعية للبلاد، مشيرة إلى أن التكنولوجيا النووية تطورت كثيرًا مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
رهان حكومي
اعتبرت ميلوني، المستلهمة في هذا الملف من حليفها السياسي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن استئناف إنتاج الكهرباء عبر المفاعلات النووية الصغيرة يمثل "رؤية عظيمة وحلمًا كبيرًا" يمكن أن يوفر كهرباء منخفضة الانبعاثات وبأسعار معقولة ومن إنتاج محلي.
وبموجب التشريع الجديد، ستمنح الحكومة نفسها مهلة 12 شهرًا لإعداد اللوائح المنظمة للقطاع، بما يشمل إنشاء هيئة رقابية للطاقة النووية ووضع قواعد للتعامل مع النفايات المشعة، قبل البدء في تقييم المشروعات ومنح التراخيص.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة "نيوكليو" الإيطالية-الفرنسية، ستيفانو بونو، أن شركات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل مصانع الصلب والأسمنت أبدت اهتمامًا بإقامة مفاعلات نووية لتأمين احتياجاتها، مضيفًا أن الشركة جمعت حتى الآن نحو 780 مليون دولار لتطوير مفاعلات صغيرة تعمل بوقود معاد تدويره من النفايات النووية.
انقسام واسع
واجهت خطة الحكومة انتقادات من جماعات بيئية وشركات تعمل في قطاع الطاقة المتجددة، التي اعتبرت أن التركيز على الطاقة النووية يصرف الانتباه عن الحلول الأسرع لمواجهة أزمة المناخ، خاصة أن كثيرًا من تصميمات المفاعلات الصغيرة لم تثبت جدواها التجارية بعد، في حين تصف الوكالة الدولية للطاقة، الطاقة الشمسية بأنها "أرخص مصدر للكهرباء في التاريخ" في المواقع المناسبة.
كما طالبت رابطة الصناعات الإيطالية "كونفيندوستريا" الحكومة بالإسراع في الموافقة على مشروعات الطاقة المتجددة، مؤكدة أن الشركات لا تستطيع انتظار عقد كامل حتى تعود الطاقة النووية إلى الخدمة، بينما لا تزال مشروعات للطاقة الشمسية والرياح بقدرة إجمالية تبلغ نحو 130 جيجاواط تنتظر الموافقات الرسمية.
تغير المواقف
أرجع وزير البيئة وأمن الطاقة جيلبرتو بيكيتو فراتين، صعوبة التوسع الكبير في الطاقة المتجددة إلى الطبيعة الجبلية والزراعية لإيطاليا، مؤكدًا أن البلاد "لا يمكن تغطيتها بالألواح الشمسية وتوربينات الرياح"، في وقت تبلغ فيه القدرة المركبة للطاقة الشمسية والرياح نحو 60 جيجاواط فقط، وهو مستوى يقل كثيرًا عن ألمانيا وإسبانيا.
واستعاد التقرير تاريخ العلاقة المعقدة بين إيطاليا والطاقة النووية، إذ كانت من أوائل الدول الأوروبية التي شغلت مفاعلات مدنية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن يؤدي استفتاء عام 1987، عقب كارثة تشيرنوبيل، إلى إغلاق جميع المفاعلات بحلول 1990، ثم أسقط استفتاء ثانٍ عام 2011، بعد كارثة فوكوشيما، محاولة رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني، لإحياء القطاع.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة تغيرًا في المزاج العام، إذ كشف استطلاع أجرته مؤسسة "يوتريند"، يونيو الماضي، أن 57% من الإيطاليين يؤيدون خطة ميلوني لإحياء الطاقة النووية، مقابل 31% يعارضونها، رغم إقرار مؤيدي المشروع بأن اختيار مواقع المفاعلات الجديدة قد يثير معارضة محلية وربما يفتح الباب أمام استفتاء جديد.