أظهر التحليل أن ترامب أو مديري أمواله نفذوا نحو 28 ألفًا و700 صفقة خلال 17 شهرًا بين تنصيبه لفترة رئاسته الثانية في 20 يناير 2025 ونهاية يونيو 2026، مقابل نحو 22 ألفًا و200 صفقة أبلغ عنها أعضاء مجلسي النواب والشيوخ مجتمعين خلال الفترة نفسها، فيما جاء هذا الكشف بالتزامن مع سعي الجمهوريين لجعل حظر تداول الأسهم من جانب أعضاء الكونجرس قضية انتخابية رئيسية في انتخابات التجديد النصفي، بحسب "بلومبرج".
تداولات الرئيس
أظهر تحليل الإفصاحات المالية أن حجم تعاملات ترامب أصبح استثنائيًا مقارنة بأي رئيس أمريكي آخر خلال القرن الحالي، إذ بلغ متوسط تداولاته نحو 80 صفقة في كل يوم من أيام التداول، بينما تضم محفظته الحالية آلاف الأصول، من بينها أسهم وسندات وعملات مشفرة، في تحول واضح عن طبيعة إفصاحاته المالية خلال ولايته الأولى، عندما كانت ممتلكاته تتركز بصورة أكبر في العقارات والأصول الخاصة التي يصعب تداولها سريعًا.
وأفاد البيت الأبيض بأن محفظة ترامب تدار بصورة مستقلة عبر مؤسسات مالية خارجية تستخدم محافظ استثمارية تعتمد على نماذج حاسوبية تحاكي مؤشرات السوق، مؤكدًا أن الرئيس وأفراد عائلته لا يستطيعون توجيه الاستثمارات أو التأثير في توقيت شراء الأصول أو بيعها، في محاولة لتقليل المخاوف من احتمال استخدام الرئيس لمعلومات أو قرارات حكومية في إدارة محفظته.
وأثار حجم التداولات في المقابل تساؤلات تتجاوز مسألة استخدام المعلومات السرية، إذ يرى خبراء أخلاقيات حكومية أن امتلاك المسؤولين المنتخبين أصولًا مالية يمكن أن تتأثر قيمتها بقراراتهم الرسمية قد يخلق تضاربًا في المصالح حتى من دون إثبات استغلال معلومات غير معلنة.
حظر الكونجرس
دفع الجمهوريون خلال الأشهر الماضية باتجاه حظر تداول الأسهم من جانب أعضاء الكونجرس وأفراد أسرهم، بينما أقر مجلس النواب في يوليو الماضي مشروع قانون يمنع أعضاء الكونجرس وزوجاتهم وأطفالهم المعالين من شراء وبيع بعض الأوراق المالية، لكنه لم يشمل الرئيس أو نائب الرئيس، وهو ما جعل ترامب مؤيدًا لتشريع يقيد المشرعين في الوقت الذي يظل فيه هو خارج نطاق القيود المقترحة.
وأكد ترامب في خطاب حالة الاتحاد أن التشريع يجب أن يُقر "دون تأخير"، قائلًا إن أعضاء الكونجرس لا ينبغي أن يتمكنوا من تحقيق أرباح غير مشروعة اعتمادًا على معلومات داخلية، بينما أظهرت استطلاعات الرأي أن الفكرة تحظى بتأييد واسع بين الأمريكيين، إذ قال نحو ثلاثة أرباع المشاركين في استطلاع لـ"إيكونوميست/يوجوف" إن أعضاء الكونجرس والمسؤولين المنتخبين يجب ألا يسمح لهم بتداول الأسهم.
وارتبطت القضية كذلك بالنقاش الانتخابي، إذ يسعى الجمهوريون إلى تقديم أنفسهم باعتبارهم الطرف الذي يريد إنهاء استغلال المناصب العامة لتحقيق مكاسب شخصية، في وقت تشكل فيه قضايا الفساد والأخلاقيات السياسية موضوعًا جذابًا للناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما يرى منتقدون أن استثناء الرئيس من القيود يفرغ جزءًا من المشروع من مضمونه.
تضارب المصالح
كشف سجل ترامب المالي أن بعض الصفقات جاءت بالتزامن مع تحركات علنية للرئيس يمكن أن تؤثر نظريًا في قيمة الشركات التي يمتلك أسهمًا فيها، ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، اشترى ترامب ما تصل قيمته إلى 1.38 مليون دولار من أسهم شركة "دور داش"، ثم ظهرت الشركة في حدث إعلامي داخل البيت الأبيض عندما طلب الرئيس وجبة من ماكدونالدز عبر خدمة توصيل تابعة لها، في فعالية ربطت بين السياسة والضرائب ودعم العمال الذين يحصلون على إكراميات.
وأظهر ترامب كذلك دعمه العلني لشركات مثل "إنفيديا" و"تسلا" وعدد من الشركات الأخرى خلال فترة قصيرة من شراء حصص فيها، وهو ما أثار اهتماماً إضافياً بشأن التوقيت بين عمليات الشراء وظهور الرئيس في تصريحات أو مناسبات يمكن أن تمنح شركات بعينها دعاية أو تؤثر على معنويات المستثمرين.
واعتبر كيدريك باين، من "مركز الحملة القانونية"، أن المشكلة لا تقتصر على احتمال استخدام معلومات غير معلنة، لأن مجرد قدرة المسؤول على التأثير في قيمة أصل مالي من خلال قراراته الرسمية قد يؤدي إلى ظهور شبهة تضارب مصالح، حتى إذا لم تثبت مخالفة قانونية مباشرة.
ورفض ترامب هذه المخاوف، وقال في يوليو إن ارتفاع قيمة السوق هو السبب في أرباحه، مشيرًا إلى أن الجميع يستفيد عندما ترتفع الأسهم، لكن المنتقدين رأوا أن القضية تتعلق بالفصل بين سلطة الرئيس المالية وسلطته السياسية، خصوصًا أن القرارات التنفيذية قد تؤثر على قطاعات وشركات بأكملها.
حظر صعب
واجه مشروع حظر تداول الأسهم داخل الكونجرس عقبات سياسية وقانونية، إذ أقر مجلس النواب إجراءاته ضمن مشروع متعلق بإثبات هوية الناخبين، وهو ما اعتبره الديمقراطيون "حبّة سامة" تجعل تمرير التشريع في مجلس الشيوخ أكثر صعوبة، بينما لم يحظَ مشروع منفصل قدمه السيناتور الجمهوري جوش هاولي لتمديد الحظر إلى الرئيس ونائب الرئيس إلا بدعم جمهوري محدود.
كان "هاولي" حاول ربط حظر تداول الأسهم بالرئيس بعد انتقادات سابقة وجهها ترامب إلى تداولات نانسي بيلوسي وزوجها، لكن ترامب هاجم مشروع هاولي واعتبره استهدافاً له، ورفض فكرة فرض قيود إضافية على الرئيس، في تناقض ظهر مجددًا مع دعمه للحظر المفروض على أعضاء الكونجرس.
وأعاد الجدل التذكير بقانون "إيقاف التداول بناء على المعرفة في الكونجرس" الذي صدر عام 2012 لتشديد قواعد التعاملات المالية للمشرعين، لكن تطبيق القانون ظل محدوداً، إذ تبدأ بعض العقوبات المالية من 200 دولار فقط، وهو ما دفع خبراء إلى التشكيك في فاعلية القواعد الحالية.