مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، باتت المساعي الديمقراطية لتقليص الإرث التنفيذي للرئيس دونالد ترامب تأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا وإلحاحًا، في هذا الصدد كشفت صحيفة واشنطن بوست أن معارضيه يعملون على جبهات متوازية، منها التشريعية والقانونية والأخلاقية، بهدف تحصين مؤسسة الرئاسة الأمريكية من أي تكرار لما وصفوه بـ"التمدد غير المسبوق للسلطة التنفيذية".
معركة قد تستغرق عقودًا
أبلغ النائب جيمي راسكين، المسؤول الديمقراطي الأول في لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب، صحيفةَ واشنطن بوست بأن ما أحدثه ترامب من تحولات في بنية السلطة التنفيذية يمكن الرجوع عنه، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن ذلك "سيستغرق عقودًا"، مضيفًا: "أمامنا مهمة ضخمة لإعادة البناء، وعلينا المضي قسمًا قسمًا، وموضوعًا موضوعًا".
وتُعزز هذه القناعة استطلاعَ رأي أجرته مؤسسة بيو العام الماضي، كشف أن 78% من الأمريكيين يُبدون قلقًا من توسيع صلاحيات الرئيس، وهو رقم يمنح المُصلِحين المحتملين قاعدة شعبية للانطلاق منها.
حزمة تشريعية واسعة
تكشف واشنطن بوست أن مشاريع القوانين المُعَدّة تتناول ملفات متشعبة تعكس اتساع ما وصفه الديمقراطيون بـ"تجاوزات" الرئيس، فعلى صعيد صلاحيات الطوارئ التي استخدمها ترامب نحو اثنتي عشرة مرة لتبرير سياسات متباينة كفرض الرسوم الجمركية وتسريع الترحيل ونشر الحرس الوطني، تقدم النائبان سوزان ديلبين ودون بيير بمشروع يحظر اللجوء إلى هذه الذريعة لفرض تعريفات جمركية دون موافقة الكونجرس.
وأعد راسكين بدوره مشاريع تُجرم قبول الرئيس لمدفوعات من حكومات أجنبية دون إذن تشريعي، وتُلزم بمراجعة علنية لأي تجديدات تطال البيت الأبيض، فيما يسعى مشروع آخر إلى حظر إبرام تسويات مالية بين الرئيس وحكومته، في إشارة إلى ما وصفه قاضٍ فيدرالي بمحاولة "توظيف" المحاكم لتشريع صفقة كانت ستُعفي ترامب من رقابة مصلحة الضرائب وتُنشئ صندوقًا بقيمة 1.8 مليار دولار.
وعلى صعيد الأخلاقيات العامة، طرح المرشح الرئاسي الديمقراطي المحتمل راهم إيمانويل خطة شاملة تحظر المتاجرة بالأسهم الفردية والمراهنة في أسواق التوقعات، وتُلزم كل من تتجاوز ثروته مليون دولار بوضع أصوله في صناديق عمياء، وتُجرم قبول الهدايا الأجنبية؛ وذلك في ضوء ما رصدته الصحيفة من أن ترامب أجرى صفقات بملايين الدولارات على أسهم فردية منذ توليه السلطة، إضافة إلى قبوله طائرة هدية من الحكومة القطرية.
أما السيناتور كريس مورفي، فقد تقدم بـ"قانون لا لأعداء سياسيين" يحظر على مسؤولي السلطة التنفيذية ملاحقة الأفراد أو معاقبتهم على آرائهم، في تلميح مباشر إلى ما وصفه المنتقدون باستهداف ترامب العلني لخصومه.
التاريخ يشهد وترامب يتجاوز السوابق
لم تكن ممارسة الرؤساء الأمريكيين لصلاحيات موسعة ظاهرة وليدة اليوم، كما توضح واشنطن بوست، إذ أقال رونالد ريجان أكثر من 11 ألف مراقب جوي عام 1981، وأجاز جورج بوش الابن أساليب استجواب اعتبرها كثيرون تعذيبًا في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فيما أصدر باراك أوباما قرارات تنفيذية طالها انتقاد جمهوري حاد، من بينها إنشاء برنامج "داكا" لحماية أبناء المهاجرين واستخدام ضربات الطائرات المُسيّرة لاستهداف مشتبه بهم خارج ساحات القتال التقليدية.
غير أن منتقدي ترامب يُميزون بين هذه السوابق وما يصفونه بـ"نهج مختلف نوعيًا"، يتجلى في حجم ووتيرة وجرأة الخطوات التنفيذية، من إعادة هيكلة البيت الأبيض جسديًا إلى الملاحقات القانونية للخصوم، مؤكدين أن ترامب أصدر أكثر من 280 قرارًا تنفيذيًا في ولايته الثانية وحدها، متجاوزًا بذلك جميع أسلافه المعاصرين وفق أرقام مشروع الرئاسة الأمريكية بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا.
من ووترجيت إلى ما بعد ترامب
يرى المصلحون المحتملون في فضيحة "ووترجيت" نموذجًا يُلهمهم، فبعد استقالة ريتشارد نيكسون عام 1974، أقر الكونجرس حزمة واسعة من القوانين قيدت صلاحيات الرئيس في مجالات الإنفاق والتجسس وإعلان الطوارئ.
وبحسب ما أوردته واشنطن بوست نقلاً عن مايكل والدمان من مركز برينان للعدالة بجامعة نيويورك، فإن "الإصلاح يعقب الفضائح في التاريخ الأمريكي، وأعتقد أن ثَمّ جوعًا حقيقيًا لترسيم في القانون الضمانات التي كان يُفترض أنها قائمة أصلاً"، غير أن التاريخ ذاته يُلقي بظلاله التحذيرية، فمعظم المحللين يُقرون بأن هدم الضوابط المؤسسية أيسر بكثير من إعادة بنائها، خاصة أن موازين القوى في الكونجرس اليوم لا تُشبه أرقام ما بعد ووترجيت حين انقلبت لمصلحة الديمقراطيين بفوارق ساحقة.