في الوقت الذي تتغير فيه خرائط التحالفات في العالم، وتتغير درجة قرب أو بُعد الحلفاء عن واشنطن وفق الحالة المزاجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تسعى اليابان إلى تعزيز التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تقوم حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بأكبر عملية إصلاح شاملة لقدرات طوكيو في مجال جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية منذ عام 1945.
وتسعى تاكايتشي إلى إنشاء جهاز استخباراتي ياباني قوي، على غرار وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بحلول عام 2028، وهو ما لم يسبق لليابان أن امتلكته منذ هزيمتها النووية في الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن اسمها النهائي وهيكلها لم يُحسما بعد، إلا أن طوكيو تعتزم بوضوح أن تقوم الوكالة الجديدة بعمليات استخبارات بشرية سرية في الخارج ضد تهديدات أمنية كبرى مثل الصين وكوريا الشمالية وروسيا.
وقد افتقرت اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى جهاز استخبارات خارجية متخصص قادر على تجنيد وإدارة مصادر بشرية في الخارج بشكل منهجي، ويعود ذلك جزئيًا إلى إرث انتهاكات الاستخبارات خلال الحقبة الإمبراطورية.
مع ذلك، فإن اليابان ليست حديثة عهد بالاستخبارات، فهي تمتلك قدرات تقنية متطورة في جمع المعلومات، لا سيما في مجال الإشارات والاستخبارات الجغرافية المكانية.
لكن التكنولوجيا لا تستطيع الإجابة على كل سؤال. لذلك تُدرك طوكيو بشكل متزايد أنها بحاجة إلى أفراد على الأرض قادرين على اختراق الحكومات والمنظمات الأجنبية لكشف النوايا والخطط التي لا تستطيع الأقمار الصناعية أو الاتصالات المُعترضة كشفها.
تطوير استخباراتي
اليابان ليست عارية استخباراتيًا، فإضافة إلى التعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، تمتلك طوكيو بالفعل وحدة مكافحة الإرهاب اليابانية، التابعة لوزارة الخارجية، التي أُنشئت عام 2015 لجمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب في الخارج.
وتفيد التقارير بأن الحكومة تدرس إعادة تنظيم وتوسيع نطاق هذه الوحدة، لتشمل مهامها الاستخبارات الأمنية الوطنية بشكل عام، إضافة إلى مكافحة الإرهاب، وتعزيز دورها في مجال الاستخبارات البشرية بشكل كبير.
أيضًا، لا تبدأ اليابان تجسسًا من الصفر. فخلال الحرب الباردة، أصبحت محطات التنصت اليابانية قادرة على رصد الاتصالات العسكرية السوفيتية والصينية. واليوم، تُجسّد كوريا الشمالية نقاط القوة والقصور في القدرات الاستخباراتية اليابانية الحالية. فقد دفع إطلاق بيونج يانج صاروخ "تايبودونج" فوق اليابان عام 1998 طوكيو إلى تطوير أقمارها الصناعية الاستخباراتية، ومنذ ذلك الحين، بنت اليابان قدرات هائلة لرصد الصواريخ الكورية الشمالية ونشاطها العسكري.
ومع ذلك، فقد ثبت أن بعضًا من أهم أسرار كوريا الشمالية يصعب كشفها. فقد تستطيع الأقمار الصناعية تصوير منشآت الصواريخ، ويمكن للاستخبارات الإلكترونية اعتراض الاتصالات، لكن لا يكشف أي منهما بالضرورة ما يخطط له النظام سرًا. وهذه تحديدًا هي أنواع الأسئلة التي قد تجيب عنها المصادر البشرية أحيانًا. كما يشير تحليل لمجلة "فورين بوليسي".
ويشير التقرير إلى أنه لواشنطن ينبغي أن تتوقع من تاكايتشي وحكومتها الوفاء بتعهدهما بإنشاء وكالة استخبارات يابانية مماثلة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إذ استثمرت طوكيو بالفعل وقتًا وموارد كبيرة في إصلاح جهازها الاستخباراتي وبناء الأساس المؤسسي لجهاز استخبارات خارجية متخصص.
برج المراقبة
في مايو الماضي، أقر البرلمان الياباني تشريعًا تاريخيًا يُجيز إنشاء ركيزتين جديدتين لهيكل الاستخبارات في طوكيو. تُعرف المنظمة الأولى، التابعة لمجلس الوزراء، باسم المجلس الوطني للاستخبارات، ويُطلق عليها "برج المراقبة"، وتتولى بشكل أساسي توجيه وإدارة الاستخبارات في جميع أنحاء الحكومة، ويرأسها رئيس الوزراء ويحضرها جميع الوزراء المعنيين بشؤون الاستخبارات. أما المنظمة الجديدة الأخرى، وهي مكتب الاستخبارات الوطنية (NIB)، الذي حلّ محل مكتب الاستخبارات والبحوث الوزاري القديم، وهو هيئة تنسيق وتحليل استخباراتية يابانية صغيرة ومحدودة نسبيًا، ومهمتها تنسيق جمع المعلومات بين مختلف الوكالات وإعداد تحليلات شاملة لجميع المصادر للقيادات الوطنية.
وتلفت "فورين بوليسي" إلى أنه بمجرد تشغيل جهاز الاستخبارات الجديد، سيوفر ذلك لطوكيو وسيلة أخرى لإثبات جديتها في تحمل مسؤولياتها في تقاسم الأعباء ضمن التحالف الأمني أمام واشنطن. وقد بدأت طوكيو تعزيز قدراتها العسكرية بشكل جذري في عام 2022، لكنها كثّفت هذه الجهود منذ عودة ترامب إلى منصبه العام الماضي.
أيضًا، قد يُقرّب إنشاء وكالة استخبارات يابانية طوكيو من هدف آخر طويل الأمد، وهو تعزيز اندماجها مع شبكة "العيون الخمس" التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا.
وقد عززت اليابان باستمرار قدرتها على حماية المعلومات السرية، بما في ذلك من خلال قانون أسرار الدولة لعام 2013، إضافة إلى نظام جديد للتصاريح الأمنية للمعلومات الاقتصادية والأمنية الحساسة دخل حيز التنفيذ العام الماضي. إلا أن الثقة داخل "العيون الخمس" تعتمد في نهاية المطاف على قدرة الشريك على حماية المعلومات الاستخباراتية التي يتلقاها، وقدرته على تقديم معلومات استخباراتية قيّمة خاصة به. ومن خلال تعزيز حماية مكافحة التجسس وتطوير قدرات الاستخبارات البشرية في الخارج، تعالج اليابان نقاط الضعف في هذه المجالات.