بين ذاكرة عائلية مُثقَلة بالفقد، وصمت طويل أعقب الحرب الأهلية اللبنانية، وجدت المخرجة اللبنانية زينة صفير نفسها أمام قصة لم تكن تخطط لروايتها في البداية، لكنها تحولت مع مرور السنوات إلى فيلم وثائقي يحمل عنوان "سكوت السهل"، فيلم بدأ من شغف قديم بمحطات القطارات والسكك الحديدية، قبل أن يقودها البحث إلى جرح عائلي ظل مفتوحًا لعقود.
وفي حديثها لموقع "القاهرة الإخبارية"، تكشف زينة صفير تفاصيل الرحلة الطويلة التي استغرقتها صناعة الفيلم، وكيف انتقلت من فكرة إلى أخرى، وصولًا إلى اكتشاف أن ما ظنته قصة عائلتها وحدها يشبه تجارب آلاف العائلات التي عاشت الحرب وفقدت أحباءها دون إجابات واضحة.
شغف السكك الحديدية
تقول زينة صفير إن صناعة الفيلم استغرقت منها سنوات طويلة، موضحة أن المشروع بدأ بفكرة وتحول إلى فكرة أخرى، قبل أن تدرك أن وراء القصة دراما إنسانية تستحق أن تُروى.
وتوضح أن علاقتها بالسكك الحديدية بدأت من شغف شخصي بمحطات القطارات، قبل أن تكتشف أن جدها من ناحية والدتها كان يعمل في هذا المجال، وكان يقوم برحلات في لبنان وخارجه خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأن زوج خالتها أيضًا كان يعمل في السكك الحديدية.
وتضيف أن هذا الاكتشاف دفعها في البداية إلى التفكير في صناعة فيلم عن الأشخاص الذين عملوا في السكك الحديدية، لكنها مع الوقت وجدت نفسها أمام قصة أكبر، قادتها إلى الحرب الأهلية اللبنانية وإلى تاريخ عائلتها.
وتؤكد أن الفيلم لم يعد بالنسبة إليها حكاية عائلية محدودة، بل أصبح مدخلًا إلى الحديث عن الحرب الأهلية اللبنانية وما تركته من جروح لدى أجيال متعاقبة.
وتقول إن ما حدث لعائلتها يشبه، في جوهره، ما عاشته عائلات لبنانية كثيرة، موضحة أن اختلاف الطوائف والانتماءات لا يغير من حقيقة المأساة.
وترى المخرجة أن الانقسامات الطائفية جعلت كل طرف ينظر إلى الطرف الآخر باعتباره المسؤول عن مأساته، بينما تكشف قصص العائلات أن الألم كان عابرا لهذه الانقسامات.
وتشير إلى أن أحد أفراد عائلتها قُتل على يد عناصر غير لبنانية، بينما قُتل عمها على يد أشخاص من الطائفة نفسها، لتخلص إلى أن الحادثة واحدة، مهما اختلفت هوية القاتل.
وترى أن القصة التي يتناولها الفيلم لا تخص لبنان وحده، بل يمكن أن يجد فيها المشاهد العربي صدى لتجارب عاشتها عائلات في فلسطين والعراق وسوريا وغيرها من المناطق التي عانت الحروب والصراعات.
مساحة للتعافي
تتحدث زينة صفير عن الجانب الشخصي للفيلم، مشيرة إلى أنها كانت في الثانية من عمرها عندما وقعت الحادثة، ولذلك لم تكن تدرك في طفولتها حجم تأثيرها عليها.
وتضيف: "الفيلم يتناول مقتل أربعة رجال من عائلتها، وآثار تلك الحادثة لم تتوقف عند لحظة وقوعها، بل ظلت حاضرة في حياتي بشكل أو بآخر"، مؤكدة أن العمل على "سكوت السهل" جعلها تكتشف أن لديها "تروما" مرتبطة بما حدث.
وتصف الفيلم بأنه كان بالنسبة إليها نوع من العلاج النفسي، خاصة بالنسبة لمن عاشوا الحروب ولم تتح لهم فرصة التعافي منها.
وتقول: "أنا بدأت الحرب وعمري 7 شهور، وحاليًا عمري 52 سنة، والحرب في لبنان لم تنتهِ بالنسبة لنا. نحن ما زلنا نعيشها".
وترى أن السينما يمكن أن تساعد الإنسان على مواجهة آثار الحرب، وربما تمنحه مساحة للتعافي، لكنها تعترف بأن إنهاء الفيلم كان تجربة شديدة الصعوبة، خصوصًا عندما كانت ترى أقاربها ورجالًا كبارًا في السن ينهارون أمام الكاميرا من شدة الألم.
سكوت السهل
وعن اختيار عنوان الفيلم، توضح زينة صفير أن القصة الأساسية وقعت في سهل البقاع، لكن كلمة "السكوت" تحمل معنى أوسع يرتبط بما تعتبره صمتًا لبنانيًا طويلًا تجاه ما حدث خلال الحرب الأهلية.
تابعت أن المجتمع اعتاد الصمت عن كثير من الجرائم والظلم، بدلًا من مواجهتها والمطالبة بالحقوق، معتبرة أن عدم الحديث عن الماضي لا يعني أن آثاره اختفت.
وترى أن العودة إلى الصمت تجعل المجتمع معرضًا لتكرار الأخطاء نفسها، ولذلك جاء العنوان ليجمع بين المكان الذي وقعت فيه الحادثة وبين حالة الصمت التي أحاطت بها وبالكثير من أحداث الحرب.
تحديات العمل
وعن التحديات التي واجهتها أثناء التصوير، تشير المخرجة اللبنانية إلى أن كثيرًا من الأشخاص الذين عاشوا تجارب مشابهة قد يجدون صعوبة في الحديث عنها، إلا أن الأمر كان مختلفًا داخل عائلتها.
وتوضح أن أفراد عائلتها كانوا يرغبون في الحديث، رغم وجود الخوف والألم، لأن الجرح ظل كبيرًا ولم يُغلق طوال السنوات الماضية.
وتقول إن التحدي الأكبر بالنسبة إليها لم يكن التعامل مع الشخصيات أو الجانب الاجتماعي من الفيلم، وإنما مواجهتها الشخصية لما حدث، ومحاولة الفصل بين كونها فردًا من العائلة وبين كونها مخرجة تقف خلف الكاميرا.
وتضيف أن الفيلم لم يكن مشروعًا صُمم من أجل المشاركة في المهرجانات، وإنما كان بالنسبة إليها عملًا على الذاكرة المفقودة".
العرض العالمي الأول
وعن العرض العالمي الأول للفيلم ضمن مهرجان "ميدل إيست ناو" في فلورنسا، تقول إنها تعرف منظمي المهرجان، ولديها علاقات قديمة مع الوسط السينمائي، كما سبق أن زارت المهرجان عام 2010، موضحة أنها أحبت المهرجان منذ زيارتها الأولى، لأنه يهتم بالسينما العربية وبقضايا المنطقة، وترى أن جمهوره ومنظميه لديهم اهتمام حقيقي بما يحدث في العالم العربي، لكنها تؤكد أن القيمة الأساسية للفيلم بالنسبة إليها لا ترتبط بالجوائز أو المهرجانات، وإنما بوصول أصوات أفراد عائلتها إلى جمهور أوسع.
و تختصر رسالتها الأساسية في رغبتها بأن يصل صوت الأشخاص الذين عانوا من الظلم، وفي مقدمتهم أفراد عائلتها، إلى الجمهور في لبنان وخارجه، إذ قالت إن أفراد عائلتها عاشوا آثار الظلم لنحو خمسين عامًا، ولذلك كان الأهم بالنسبة إليها أن يسمع الناس قصتهم، وليس أن يركزوا فقط على القيمة الفنية للفيلم.
وتكشف أن خالتها كانت واحدة من الشخصيات التي تحدثت أمام الكاميرا، لكنها رحلت بعد تسجيل شهادتها، وهو ما يجعل حضورها في الفيلم بالنسبة للمخرجة مرتبطًا أيضًا بحفظ صوتها وذاكرتها.
العرض الأكثر تأثيرًا
ورغم أهمية العرض العالمي الأول في فلورنسا، ترى زينة صفير أن العرض الأكثر تأثيرًا بالنسبة إليها سيكون في لبنان، وتحديدًا في صالة السينما المرتبطة بالأشخاص الذين يتناول الفيلم قصتهم.
وتوضح أن هناك جهودًا حاليًا لترميم الصالة، مع احتمال إقامة العرض فيها خلال شهر ديسمبر المقبل، مؤكدة أن هذا العرض يحمل بالنسبة إليها قيمة عاطفية واستثنائية.
وأشارت إلى أن رؤية الفيلم في المكان المرتبط مباشرة بأبطال قصته ستكون لحظة مهمة، لأنها تعيد الحكاية إلى المكان الذي خرجت منه، وتمنح العائلة والجمهور اللبناني فرصة لسماع قصة ظلت لسنوات طويلة حبيسة الصمت.