كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجه جديد للاستفادة من ثروة فنزويلا المعدنية، بعدما انتقلت من السيطرة على صادرات النفط إلى فتح الطريق أمام استيراد الذهب، في خطوة رافقتها مخاطر تتعلق بالجريمة والفساد والرقابة على مصادر المعدن، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على ضمان أن الذهب الذي يصل إلى الأسواق الأمريكية لا يرتبط بالشبكات غير القانونية التي تقول الإدارة إنها تسعى إلى تفكيكها.
كانت إدارة ترامب سمحت في مارس الماضي، بإجراء معاملات محددة مرتبطة بالذهب الفنزويلي، بما في ذلك التعامل مع شركة التعدين الحكومية "مينيرفين"، بعد زيارة وزير الداخلية الأمريكي دوج بورجوم إلى فنزويلا، فيما أُبرمت صفقة مع شركة تجارة السلع "ترافيجورا" لتوريد ما يصل إلى 1000 كيلوجرام من الذهب إلى الأسواق الأمريكية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
صفقة الذهب
وأظهرت تفاصيل الصفقة أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع الذهب باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد الفنزويلي وربط موارده بالولايات المتحدة، بعدما كانت فنزويلا تستخدم جزءًا من تجارتها المعدنية في علاقات مع دول منافسة لواشنطن، من بينها إيران، بينما سعت إدارة ترامب إلى تحويل مسار هذه الموارد نحو السوق الأمريكية.
كان وزير الداخلية الأمريكي دوج بورجوم شارك في إتمام اتفاق "ترافيجورا" مع "مينيرفين"، ونقلت لاحقًا عنه رواية للصفقة قال فيها إن الولايات المتحدة تمكنت خلال يومين من جلب ذهب تبلغ قيمته نحو 100 مليون دولار، في إشارة إلى السرعة التي أرادت بها الإدارة الجديدة فتح قطاع التعدين أمام الشركات الأمريكية وشركائها.
وأصبح الاتفاق نموذجًا لسياسة أوسع انتهجتها إدارة ترامب بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تقوم على استخدام النفوذ الأمريكي لإعادة توجيه الموارد الطبيعية الفنزويلية، مع طرح فكرة أن الاستثمارات الغربية يمكن أن تساعد في إصلاح قطاع التعدين، بدلا من انتظار إصلاحات سياسية ومؤسسية تسبق دخول الشركات الأجنبية.
كانت واشنطن بررت الخطوة بأن صناعة الذهب الفنزويلية ظلت لسنوات عرضة للسرقة والفساد واستغلال الجماعات المسلحة، وقال البيت الأبيض إن فتح القطاع أمام الشركات الغربية يمكن أن يساعد في تنظيف الصناعة وإضفاء طابع رسمي عليها، بينما أشار تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن الواقع على الأرض يطرح تحديات كبيرة أمام هذه الرؤية.
مخاطر التعدين
وأظهرت تحقيقات الصحيفة أن الذهب الفنزويلي يرتبط في مناطق التعدين الجنوبية بشبكات إجرامية تفرض إتاوات على العاملين وأصحاب المناجم، في حين تضم منطقة "إل كالو" مئات عمليات التعدين الخاصة الصغيرة إلى جانب المناجم التابعة للدولة.
وأفاد أصحاب مناجم وعاملون في المنطقة بأن جماعة "ترين دي جويايانا" تحصل على نسبة من الذهب مقابل توفير الحماية، فيما قال أحد قادة مجموعات التعدين إن 20% من إنتاج مجموعته يذهب إلى الجماعة شهريًا، وهي ممارسة أصبحت معروفة محليًا باسم "النظام".
وامتدت المشكلة إلى عمليات مرتبطة بشركة "مينيرفين"، إذ ذكرت الصحيفة أن بعض مجموعات التعدين تعمل داخل منشآت تابعة للشركة الحكومية، وأن جزءًا من إنتاجها يذهب إلى "مينيرفين"، التي تدمجه مع الذهب الذي تبيعه إلى "ترافيجورا"، وهو ما يثير احتمال وصول ذهب مرتبط بشبكات إجرامية إلى سلسلة التوريد التي تستهدفها الصفقة الأمريكية.
كانت "ترافيجورا" أكدت أن عمليات التدقيق في سلسلة التوريد مستمرة، وقالت إن عمليات المراجعة التي أُجريت حتى الآن لم تحدد انتهاكات لحقوق الإنسان أو تمويلًا للصراعات أو ابتزازًا أو تورطًا لجهات غير قانونية في المواقع التي جرى فحصها، لكن الصحيفة أشارت إلى أن عمليات الشراء بدأت قبل زيارة المدققين والمستشارين للمناجم.
توسع أمريكي
وأدى فتح الباب أمام "ترافيجورا" إلى جذب شركات أخرى إلى قطاع التعدين الفنزويلي، من بينها "هيني كابيتال"، التي دخلت في شراكة مع شركة "ميركوريا" لتطوير مشاريع ذهب وتصديره، مع تقديرات بأن الاتفاقات قد تصل مستقبلًا إلى نحو 2.2 مليار دولار سنويًا من صادرات المعادن.
واتجهت "هيني كابيتال" إلى مناطق أكثر خطورة من المناجم الصناعية التقليدية، من بينها منجم إل تشوكو المفتوح، وهو مشروع تديره الدولة الفنزويلية وترتبط بعض عمليات المقاولين العاملين فيه، وفق شهادات نقلتها الصحيفة، بدفع أموال حماية للجماعات الإجرامية.
وكان المنجم قد شهد في السابق تعاونًا مع شركة إيرانية لبناء منشأة لمعالجة الذهب، لكن التعاون توقف بعد الإطاحة بمادورو وفرض واشنطن قيودًا على التعامل مع إيران، بينما ظلت منشآت ومعدات الشركة الإيرانية في الموقع.
وأبرزت التطورات المفارقة الرئيسية في السياسة الأمريكية الجديدة، إذ تسعى واشنطن إلى إخراج قطاع الذهب من نفوذ إيران والجماعات الإجرامية والفساد، لكنها تدخل في الوقت نفسه إلى صناعة ما زالت بنيتها المحلية مرتبطة بهذه الأطراف، ما يجعل فصل الذهب المشروع عن الذهب غير المشروع عملية معقدة.