الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

هل يمكن أن يخسر ترامب والحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي؟

  • مشاركة :
post-title
انتخابات التجديد النصفي السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

تكتسب انتخابات التجديد النصفي، المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر القادم في الولايات المتحدة، أهمية خاصة هذا العام؛ لأنها تأتي في منتصف الولاية الثانية لترامب الذي اختار منذ وقت مبكر أن يجعل حضوره الشخصي وسجله السياسي محورًا رئيسيًا للحملة الجمهورية. وسوف يتم إجراء هذه الانتخابات في ظل مشهد سياسي شديد التنافس، تتداخل فيه شعبية الرئيس دونالد ترامب، وأداء الإدارة الأمريكية في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة الخريطة الانتخابية لمجلسي النواب والشيوخ. فعلى ما يبدو أن انتخابات 2026 لن تكون انتخابات تقليدية لاختيار أعضاء الكونجرس، وإنما تُمثّل أيضًا اختبارًا سياسيًا لمدى قدرة ترامب على تحويل شعبيته داخل قاعدته الجمهورية إلى دعم انتخابي كافٍ للمرشحين الجمهوريين، في وقت يواجه فيه الحزب ضغوطًا واضحة في بعض مؤشرات الرأي العام.

في هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات مثل: ما أهم نتائج قراءة المشهد الانتخابي الراهن في الولايات المتحدة؟ وما أهم العوامل المؤثرة أو الحاسمة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026؟ وما أهم نقاط القوة لدى الحزب الجمهوري في خوض هذه الانتخابات؟

وفي ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة عن التساؤلات السابقة من خلال استعراض النقاط الأساسية التالية:

قراءة شاملة

سوف يتم إجراء هذه الانتخابات في وقت يمتلك فيه الحزب الجمهوري أغلبية صغيرة في مجلس النواب بواقع 220 مقعدًا مقابل 215 للديمقراطيين، بينما يسيطر هذا الحزب على مجلس الشيوخ بـ53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين. ومن ثم، فإن المحافظة على الأغلبية لا تتطلب من الجمهوريين تحقيق مكاسب جديدة، وإنما الدفاع عن عدد محدود من المقاعد التي أصبحت محل منافسة قوية.

وتشير أحدث المؤشرات المتاحة حتى أواخر سبتمبر 2026، إلى وجود ضغوط واضحة على الحزب الجمهوري، خصوصًا في مجلس النواب، نتيجة تراجع تقييم أداء ترامب، وارتفاع تكلفة المعيشة في الولايات المتحدة في الوقت الراهن وقبيل إجراء تلك الانتخابات. وفي المقابل، لا تزال قدرة الرئيس على تعبئة القاعدة الجمهورية، إلى جانب قوة الحزب في عدد من الملفات مثل الهجرة والجريمة، تمثل عناصر قوة يمكن أن تحد من أثر هذه الضغوط.

تنافس حاد

يدخل الجمهوريون انتخابات 2026 وهم يمتلكون هامشًا محدودًا للغاية في مجلس النواب؛ إذ لا يتجاوز الفارق خمسة مقاعد. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية كبيرة لأن الديمقراطيين يحتاجون إلى ثلاثة مقاعد صافية فقط لاستعادة السيطرة على المجلس. وتشير أحدث تصنيفات Inside Elections إلى وجود عدد ملحوظ من الدوائر الجمهورية في نطاق المنافسة، مع تقدير حالي لمكاسب محتملة للديمقراطيين يتراوح بين مقعدين وعشرة مقاعد. ولا يمثل هذا التقدير نتيجة متوقعة، وإنما يعكس درجة التنافس في الدوائر التي يمكن أن تتغير فيها الخريطة الحزبية.

أما مجلس الشيوخ، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فالجمهوريون يمتلكون 53 مقعدًا، بينما يمتلك الديمقراطيون 47 مقعدًا، ما يعني أن الديمقراطيين يحتاجون إلى تحقيق مكاسب صافية من أربعة مقاعد للسيطرة على المجلس. وتتركز المنافسة بصورة خاصة في عدد محدود من الولايات التي يمكن أن تلعب نتائجها دورًا حاسمًا في تحديد شكل الأغلبية بعد الانتخابات المقبلة.

عوامل حاسمة

لا تستند قراءة المشهد الانتخابي الراهن في الولايات المتحدة إلى عامل واحد، وإنما إلى التفاعل بين عدة عوامل، يأتي في مقدمتها: شعبية الرئيس، والاقتصاد، وارتفاع تكلفة المعيشة، ونسب المشاركة، وشخصية المرشحين، وطبيعة الدوائر والولايات المتأرجحة. ويمكن توضيح هذه العوامل تفصيلًا فيما يلي:

(*) تراجع شعبية ترامب الانتخابية: تمثل هذه الشعبية عنصر ضغط على الحزب الجمهوري في الوقت الحالي. ويتأكد ذلك في ضوء تقييم الناخبين لأداء ترامب، فقد أظهر أحدث استطلاع لــReuters/Ipsos، الذي أُجري خلال الفترة من 17 إلى 20 سبتمبر 2026، تراجع نسبة تأييد أداء ترامب إلى نحو 32%، مقابل 66% تقريبًا غير مؤيدين لأدائه. وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر بالنظر إلى أن التراجع لا يقتصر على الناخبين من خارج الحزب الجمهوري؛ إذ أظهر الاستطلاع نفسه انخفاض مستوى التأييد بين الجمهوريين مقارنة ببداية العام.

ويمكن تفسير ذلك في ضوء تراجع بعض المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة المرتبطة بطبيعة الحال، وإلى حد كبير بتداعيات الحرب الأمريكية على إيران. فقد أظهرت بيانات الاستطلاع أن تقييم الناخبين لأداء ترامب في مجال الاقتصاد يمثل نقطة ضغط على الإدارة، خصوصًا أن الناخب الأمريكي يتعامل مع الأسعار والدخل والقوة الشرائية باعتبارها قضايا مباشرة تمس حياته اليومية. ومن ثم، فإن قدرة إدارة ترامب على إقناع الناخبين بأن سياساتها الاقتصادية أدت إلى تحسين أوضاعهم المعيشية قد تكون أكثر تأثيرًا في الانتخابات من كثير من الملفات السياسية الأخرى.

(*) ارتفاع تكلفة المعيشة في قلب المعركة الانتخابية: تبدو الانتخابات النصفية الحالية، بدرجة كبيرة، مرتبطة بهذا العامل. فحتى عندما يحتفظ الحزب الحاكم بقاعدة انتخابية قوية، فإن استمرار المخاوف المتعلقة بالأسعار والدخل يمكن أن يدفع الناخبين إلى إعادة تقييم أدائه. وأظهر استطلاع Pew Research Center في يوليو 2026 أن الاقتصاد ظل في مقدمة اهتمامات الناخبين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. كما أظهرت استطلاعات أخرى أن الجمهوريين يحتفظون بمزايا في بعض الملفات، خصوصًا الهجرة والجريمة، بينما يواجهون منافسة أكثر صعوبة في قضايا الاقتصاد وتكلفة المعيشة.

وتكمن المشكلة السياسية بالنسبة لترامب في أن ارتفاع تكلفة المعيشة يصعب التعامل معه من خلال التعبئة الحزبية وحدها؛ فالناخب الذي يواجه ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والطاقة والخدمات قد يعطي الأولوية للنتائج الملموسة على الخطاب السياسي. وفي هذا السياق، فإن أي تحسن ملموس في المؤشرات الاقتصادية أو في إدراك الناخبين لأوضاعهم المعيشية يمكن أن يؤثر في البيئة الانتخابية خلال الأسابيع الأخيرة.

(*) تقدم الديمقراطيين في مؤشرات التصويت على المستوى الوطني: يُمثل ما يُعرَف بـ"التصويت العام للكونجرس" أوGeneric Congressional Ballot، أحد أهم هذه المؤشرات لأنه يقيس تفضيلات الناخبين الأمريكيين بين مرشحي الحزبين الرئيسين بصورة عامة. وأظهر استطلاع Economist/YouGov المنشور في 22 سبتمبر تقدم المرشحين الديمقراطيين بين الناخبين المرجح تصويتهم بنسبة 52% مقابل 38% للجمهوريين. ولا يمكن تحويل هذا الفارق بصورة مباشرة إلى عدد محدد من المقاعد؛ لأن الانتخابات الأمريكية تعتمد على سباقات منفصلة داخل الدوائر الانتخابية، كما تختلف تركيبة الناخبين بين الولايات والمناطق. ومع ذلك، فإن استمرار وجود فجوة لمصلحة الديمقراطيين يُمثل عامل ضغط على الحزب الجمهوري، خاصة في الدوائر التي فاز بها الجمهوريون بفوارق محدودة في الانتخابات السابقة.

(*) الطبيعة الانتخابية لمقاعد مجلس الشيوخ الأكثر تعقيدًا من مجلس النواب خاصة في الولايات المتأرجحة: فرغم أن المؤشرات الانتخابية تميل إلى إظهار بيئة أكثر صعوبة للجمهوريين، فإن خريطة مجلس الشيوخ لا تسمح بقراءة النتيجة على المستوى الوطني وحده. وتشير تصنيفات Cook Political Report إلى وجود سباقات شديدة التنافس في عدد من الولايات، من بينها ألاسكا، وآيوا، ومين، وميشيجان، ونيوهامبشير، وأوهايو، وتكساس. وتتميز انتخابات مجلس الشيوخ بأن شخصية المرشح المحلي تلعب دورًا أكبر مقارنة بانتخابات مجلس النواب. كما أن بعض الولايات ذات الاتجاه الحزبي الواضح يمكن أن تشهد منافسة مختلفة إذا كان أحد المرشحين أكثر قدرة على جذب الناخبين المستقلين أو الحفاظ على قاعدة حزبه. لذلك، فإن توقع فوز أي من الحزبين الجمهوري أو الديموقراطي بمجلس الشيوخ يتطلب متابعة كل ولاية من الولايات المتأرجحة بصورة منفصلة.

(*) عامل المشاركة الانتخابية من جانب الأمريكيين: قد يكون مستوى المشاركة أحد أهم العوامل التي يصعب قياسها مبكرًا. فالانتخابات النصفية تشهد عادةً مشاركة أقل من الانتخابات الرئاسية، ما يجعل قدرة كل حزب على إخراج مؤيديه إلى صناديق الاقتراع عاملًا أساسيًا. ويمتلك ترامب قدرة واضحة على مخاطبة القاعدة الجمهورية وتحفيزها، وهو ما يمكن أن يكون مهمًا بصورة خاصة في الولايات والدوائر المتقاربة. وفي المقابل، يحاول الديمقراطيون الاستفادة من القلق بشأن أداء الإدارة لتحفيز الناخبين المعارضين لها، خصوصًا في الضواحي والمناطق التي يمكن أن تكون حاسمة في انتخابات مجلس النواب. وبصفة عامة، فإن استطلاعات الرأي التي تقيس الناخبين المرجح تصويتهم قد تصبح أكثر أهمية كلما اقترب موعد الانتخابات، لأنها تحاول قياس مجموعة الناخبين الأكثر احتمالًا للمشاركة الفعلية.

نقاط القوة

يمكن تحديد أهم عناصر قوة ترامب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي القادمة فيما يلي:

(*) إستراتيجية ترامب الانتخابية: اختار ترامب أن يلعب دورًا مباشرًا في انتخابات 2026، وهو ما ظهر في مشاركته في الحملات الانتخابية للجمهوريين وفي خطابه أمام القواعد الحزبية. وتقوم هذه الإستراتيجية على محاولة تحويل الانتخابات إلى استفتاء على سجل الإدارة، مع تقديم الانتخابات باعتبارها معركة للحفاظ على أجندة ترامب وعدم السماح للديمقراطيين بإعاقة تنفيذها.

ولهذه الإستراتيجية وجهان متناقضان. فمن ناحية، يمكن أن تساعد في رفع حماس الناخبين الجمهوريين وزيادة مشاركتهم. ومن ناحية أخرى، فإن ربط المرشحين الجمهوريين بقوة بالرئيس يجعل تقييم ترامب الشخصي عنصرًا أكثر حضورًا في الانتخابات المحلية. ومن ثم، فإن قوة ترامب السياسية يمكن أن تعمل في الاتجاهين: تعبئة القاعدة من جهة، وزيادة ارتباط المرشحين الجمهوريين بتقييم الناخبين للرئيس من جهة أخرى.

(*) الملفات التي تمنح الجمهوريين مساحة سياسية مثل قضايا الهجرة والجريمة: رغم الضغوط الاقتصادية، لا يزال الجمهوريون يمتلكون ملفات سياسية يمكنهم الاعتماد عليها في مخاطبة الناخبين. وتظهر استطلاعات الرأي أن الجمهوريين يحتفظون بدرجة من الثقة في ملفات مثل الهجرة والجريمة، وهي قضايا كانت من العناصر المركزية في خطاب ترامب منذ حملته الأولى. ويحاول الحزب الجمهوري استخدام هذه الملفات إلى جانب الحديث عن الأمن القومي، وحماية الحدود، وتقليص الهجرة غير النظامية، باعتبارها مجالات يرى فيها أنصاره أن الإدارة تمتلك سجلًا يمكن الدفاع عنه.

وفي المقابل، يركز الديمقراطيون على الاقتصاد، وتكلفة المعيشة، والخدمات الاجتماعية، وبعض تداعيات السياسات التي اتخذتها الإدارة خلال النصف الأول من الولاية.

ويتبين مما سبق، أن انتخابات التجديد النصفي القادمة تدور حول مجموعتين من القضايا: مجموعة ترتبط بالأمن والهجرة والنظام العام (يتبناها الحزب الجمهوري)، وأخرى ترتبط بالاقتصاد والدخل وتكلفة المعيشة (يتبناها الحزب الديموقراطي).

وفي النهاية، يمكن القول إن الصورة الانتخابية الأمريكية في أواخر سبتمبر 2026، تشير إلى أن الحزب الجمهوري بقيادة ترامب يدخل انتخابات التجديد النصفي وهو يواجه مجموعة من الضغوط، أبرزها انخفاض تقييم أداء الرئيس دونالد ترامب وشعبيته، واستمرار المخاوف المتعلقة بالاقتصاد وتكلفة المعيشة، وضيق هامش الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب. وفي المقابل، يحتفظ الجمهوريون ببعض نقاط القوة، من بينها استمرار قاعدة انتخابية قوية لترامب داخل الحزب، وقدرته على تعبئة أنصاره، فضلًا عن وجود ملفات سياسية يتمتع فيها الحزب بموقع تنافسي، وعلى رأسها الهجرة والجريمة. ويبدو أن انتخابات مجلس النواب أكثر حساسية للتغيرات في المزاج الانتخابي، بسبب ضآلة الفارق بين الحزبين الرئيسين، بينما تتسم معركة مجلس الشيوخ بطبيعة أكثر محلية وتعقيدًا، إذ تتركز المنافسة في عدد محدود من الولايات التي ستحدد نتائجها شكل الأغلبية.

وبالتالي، ستصبح الأسابيع الأخيرة قبل الثالث من نوفمبر 2026 حاسمة في تحديد المشهد الانتخابي الأمريكي بشكل دقيق. فهل سيظل المشهد الانتخابي الراهن دون تغيير وهو ما يعني صعوبة فوز ترامب وحزبه الجمهوري في تلك الانتخابات أم ستشهد الساحة الانتخابية في المستقبل القريب بعض تطورات الاقتصاد وتكلفة المعيشة، واتجاهات شعبية ترامب؟ فالأمر كله يتوقف على مدى قدرة كل حزب سواء الجمهوري أو الديمقراطي على حشد مؤيديه، وأداء المرشحين في الولايات والدوائر المتأرجحة.