في رحلة تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الحفاظ على الحياة البرية، غادر دبان عملاقان الصين متجهيْن إلى الولايات المتحدة، في أحدث فصل من تاريخ طويل عُرِفت خلاله الباندا كأحد أبرز رموز "دبلوماسية الصداقة" التي تستخدمها بكين لتعزيز العلاقات مع دول العالم.
وغادر "بينج بينج" و"فو شوانج" مدينة تشنجدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين، فجر اليوم الأحد، على متن طائرة متجهة إلى حديقة حيوان أتلانتا، في رحلة تستغرق نحو 15 ساعة، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وجاءت مغادرة الدبين بعد يوم واحد من انتهاء زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن، حيث عقد محادثات مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب تناولت التوترات التجارية والتنافس التكنولوجي بين البلدين.
رحلة مدروسة بعناية
وأظهرت مشاهد بثتها "شينخوا" حشودًا من محبي الباندا وهم يلوحون باللافتات في أثناء مغادرة الشاحنات التي تقل الدبين من قاعدة تشنجدو لأبحاث وتربية الباندا العملاقة باتجاه المطار.
ووُضِع كل دب داخل صندوق مخصص للنقل، قبل تحميل الصناديق على متن الطائرة، ويرافق الدبين خلال الرحلة فريق من الأطباء البيطريين والمربين، على أن يواصل عدد من أفراد الفريق الصيني عملهم في أتلانتا خلال فترة الحجر الصحي والتأقلم.
وكانت حديقة حيوان أتلانتا أجرت -بالتعاون مع الجانب الصيني- سلسلة من الاجتماعات لتطوير أماكن إقامة الباندا وتجهيزها لاستقبال الوافديْن الجديديْن.
وقال سام ريفيرا، نائب رئيس قسم صحة الحيوانات في الحديقة، إن المنشأة عملت خلال العام الماضي على توسيع وتحسين أماكن إقامة الباندا، إلى جانب تأمين إمدادات كافية من الخيزران وتوفير فريق متخصص لديه خبرة في رعايتها.
واختارت الجهات الصينية الدبين بعد تقييم مجموعة من المعايير، من بينها العمر والحالة الصحية والتركيب الجيني والصفات السلوكية.
ولد "بينج بينج" في 17 مارس 2020، ويشتهر بقدرته على تسلق الأشجار، بينما ولدت "فو شوانج" في 18 أكتوبر من العام نفسه، وتتميز بقدرتها على العثور على الطعام بسهولة.
ويحمل اسما الدبين دلالات رمزية، إذ يعني "بينج بينج" السلام، فيما يشير اسم "فو شوانج" إلى "البركات المزدوجة".
وخضع الدبان قبل الرحلة لفترة حجر صحي استمرت نحو شهر، كما دُرِّبا على البقاء داخل صناديق النقل والتعامل مع الأصوات المرتفعة، استعدادًا للرحلة الجوية الطويلة.
"دبلوماسية الباندا".. أكثر من نصف قرن من الرمزية
وتمثل رحلة زوج الباندا امتدادًا لسياسة صينية تعود إلى عقود، استُخدِمت خلالها الباندا كوسيلة لتعزيز العلاقات الدبلوماسية والتواصل الثقافي مع الدول الأخرى.
وترجع بداية "دبلوماسية الباندا" الحديثة مع الولايات المتحدة إلى عام 1972، عندما أرسلت الصين أول زوج من الباندا إلى واشنطن، بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين.
وخلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، أشار شي جين بينج إلى هذا الإرث، واصفًا الباندا بأنها "مبعوث للصداقة بين الشعبين الصيني والأمريكي".
وتكتسب هذه الرمزية أهمية خاصة في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات بين بكين وواشنطن خلال السنوات الأخيرة، على خلفية التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
سيتشوان.. موطن الباندا
وتعود أصول الباندا العملاقة إلى الصين، حيث كانت تنتشر في مناطق أوسع بكثير مما هي عليه اليوم، لكن التوسع العمراني وتقلص الغابات والتغيرات المناخية أدت إلى انحسار موائلها الطبيعية.
وتتركز الباندا البرية حاليًا في مناطق جبلية محدودة داخل الصين، فيما أصبحت مقاطعة سيتشوان مركزًا رئيسيًا لبرامج حمايتها وتكاثرها.
وتضم تشنجدو واحدة من أكبر منشآت تربية الباندا في العالم، حيث تستضيف قاعدة أبحاث وتربية الباندا العملاقة أكثر من 240 دبًا، بحسب البيانات الصينية.
وعلى مدى العقود الماضية، تحولت الباندا من نوع مهدد بالانقراض إلى رمز عالمي للحفاظ على الحياة البرية، وأصبحت في الوقت نفسه أحد أبرز الرموز الوطنية للصين.
وليست هذه المرة الأولى التي تستقبل فيها حديقة حيوان أتلانتا الباندا الصينية، فقد عاش فيها الزوجان "لون لون" و"يانج يانج" لسنوات، وأنجبا سبعة صغار بين عامي 2006 و2016، قبل عودتهما إلى الصين.
كما استقبلت الولايات المتحدة في عام 2024 زوجين جديدين من الباندا، أحدهما وصل إلى حديقة حيوان سان دييجو في يونيو، في أول وصول لدفعة جديدة من الباندا الصينية إلى البلاد منذ أكثر من عقدين، بينما وصل زوج آخر إلى حديقة الحيوان الوطنية في واشنطن في وقت لاحق من العام.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه بكين وواشنطن إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، رغم الخلافات المستمرة بينهما بشأن ملفات اقتصادية وتكنولوجية وإستراتيجية.