من قلب لبنان، انطلقت تجربة حملت حلم الوصول بالفن والمسرح إلى كل المناطق، بعيدًا عن المركزية الثقافية التي تتركز في المدن الكبرى، لتنتقل التجربة لاحقًا إلى النبطية وطرابلس وبيروت، عبر مشروع يعتمد على إعادة تأهيل دور السينما المغلقة وتحويلها إلى مساحات ثقافية مستقلة ومفتوحة أمام الجمهور، والوصول بالمسرح المتنقل عبر الحافلة لأماكن النزوح.
كشف الفنان اللبناني قاسم إسطنبولي، مؤسس المسرح الوطني اللبناني المجاني، عن أن التجربة والمشروع بدآ من خلال العروض الجوالة، قبل أن يتطور إلى إنشاء مساحات ثقافية ثابتة، مع الإبقاء على فكرة المسرح المتنقل للوصول إلى المناطق المهمشة ثقافيًا.
وقال قاسم إسطنبولي، لموقع القاهرة الإخبارية، إن المشروع انطلق بهدف "كسر المركزية الثقافية وتحقيق توازن ثقافي"، من خلال توفير مساحات للفنون في القرى والبلدات، وإتاحة المشاركة أمام الشباب والأطفال والنساء وذوي الإعاقة، انطلاقًا من إيمان القائمين عليه بأن الفن حق للجميع، سواء في ممارسته أو مشاهدته.
وأضاف أن المساحات التي جرى إعادة تأهيلها وترميمها وتحويلها إلى مراكز ثقافية مستقلة، تستضيف مهرجانات وعروضًا في المسرح والسينما والموسيقى والحكواتي والرقص المعاصر، إلى جانب ورش تدريبية تستهدف فئات عمرية ومجتمعية مختلفة، فضلًا عن استضافة فنانين من دول مختلفة.
وأشار إلى أن التجربة تتبنى مفهوم "الفنون الدامجة"، إذ يشارك الأشخاص ذوو الإعاقة في الورش التدريبية والعروض المسرحية، كما تُنظَّم عروض سينمائية تراعي احتياجات الصم والمكفوفين، بما يتيح لهم الوصول إلى المحتوى الفني والثقافي والمشاركة فيه.
وأوضح "إسطنبولي" أن فكرة وصول المسرح إلى الجمهور لا تقتصر على شكل واحد، إذ تعتمد التجربة على مجموعة من أشكال المسرح، من بينها المسرح التفاعلي ومسرح الشارع ومسرح الحلقة والمسرح المرتبط بقضايا المُهمَّشين، مؤكدًا أن تجربة العروض الجوالة بدأت منذ عام 2008 من خلال "مسرح إسطنبولي"، قبل أن تتطور لاحقًا إلى إنشاء مساحات ثقافية ثابتة تربط المناطق اللبنانية ببعضها البعض من خلال الثقافة والفنون.
ولفت إلى أن المسرح الوطني اللبناني أصبح حاضرًا في ثلاث مدن، هي صور وبيروت وطرابلس، مؤكدًا أن هذه المساحات لم تقتصر أدوارها على النشاط الثقافي، بل تحولت خلال الحرب التي شهدها لبنان إلى مراكز إيواء للنازحين، واستقبلت عشرات العائلات، لتؤدي دورًا اجتماعيًا إلى جانب دورها الثقافي، وتصبح مساحة لاحتضان الناس في أوقات الحرب والسلم.
وتابع أن فكرة المسرح المتنقل لا تزال مستمرة من خلال "باص الفن والسلام"، الذي ينتقل بين المناطق المختلفة لتقديم عروض الأفلام والورش التدريبية والعروض المسرحية، والوصول إلى المناطق التي تعاني من نقص في الخدمات الثقافية، مشيرًا إلى أن المشروع يسعى كذلك إلى نقل الأطفال النازحين من مراكز الإيواء إلى المسارح، إلى جانب تنظيم انتقال الجمهور لحضور العروض في بيروت وطرابلس وغيرها من المدن.
وأكد "إسطنبولي" أن هذه الأنشطة تأتي ضمن عمل جمعية "تيرو للفنون"، التي تدير المسارح الوطنية اللبنانية في صور وبيروت وطرابلس، وتشمل عروض الأفلام وتنظيم المهرجانات والورش التدريبية المجانية في مجالات الرسم والأشغال اليدوية والحكواتي والدُمى والدبكة والرقص، إلى جانب إتاحة المهرجانات أمام الجمهور بالمجان.
وأشار إلى أن الجمعية تواصل تنظيم فعالياتها الفنية، ومن بينها مهرجان لبنان المسرحي الدولي، الذي أُقيمت فعاليات دورته الأخيرة خلال الفترة الماضية، إلى جانب مهرجان صور السينمائي الدولي للأفلام القصيرة، الذي يستعد لدورته الثالثة عشرة.
أوضح "إسطنبولي" أن التجربة تنطلق من إيمان أساسي بأن الثقافة والفنون ليستا امتيازًا لفئة أو مدينة بعينها، وإنما حق متاح للجميع، وأن المسرح يمكن أن يكون مساحة للقاء والمشاركة والاحتضان، سواء في أوقات الاستقرار أو خلال الأزمات.