الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

التكلفة الاقتصادية لحرب إثيوبيا على الداخل والإقليم

  • مشاركة :
post-title
عناصر جبهة تحرير تيجراي في عاصمة الإقليم يونيو 2021 خلال النزاع السابق

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

استمرت المواجهات المحتدمة في الشمال الإثيوبي بين القوات الفيدرالية ومتمردي تيجراي، يوم الجمعة الموافق 25 سبتمبر 2026، بهدف صدِّ هجوم تيجراي على مدينة أبالا في إقليم عفر، وذلك بعد أيام من استئناف المعارك، وهو الأمر الذي يخلُق تكلفة اقتصادية كبيرة على الداخل الإثيوبي، بل والإقليم بشكل عام، إذ ترتبط إثيوبيا بشبكة من العلاقات التجارية واللوجيستية والأمنية مع دول الجوار والبحر الأحمر.

تأسيسًا على ما سبق؛ يسعى هذا التحليل للتعرف على التكلفة الاقتصادية للحرب في إثيوبيا على الداخل والإقليم.

التكلفة على الداخل الإثيوبي

يُمكن بلورة تكلفة الحرب على الداخل الإثيوبي، من خلال النقاط التالية:

شكل (1): معدل النمو الاقتصادي في إثيوبيا خلال الفترة من 2022 إلى 2025

(-) تباطؤ النمو الاقتصادي: يؤدي الصراع الحالي في شمال إثيوبيا إلى إجهاد الاقتصاد المحلي بشدة، إذ يستنزف أكثر من مليار دولار من خزينة الدولة ويؤدي إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى نحو 2%، وهو الأمر الذي يُفسَّر بأن الحرب في إثيوبيا تنعكس على النشاط الاقتصادي بشكل كبير، إذ إنها تسببت في قطع الإنترنت، ونظرًا لأن التقدم الاقتصادي لا يُمكن أن يتحقق بدون استقرار أمني و بنية تحتية تكنولوجية مستقرة، فالتباطؤ الاقتصادي من المُرجَّح أن يحدث بشكل كبير مع استمرار هذا الوضع، وهو ما يوضحه شكل (1)، حيث انخفض النمو من 8.1% في عام 2023 إلى 7.3% في عام 2024، حيث شهد هذا العام اضطرابات في إقليم أمهرة بين القوات الفيدرالية وميليشيات "فانو" المحلية، ما خلق تحديات اقتصادية جمّة، خاصًة في ظل المخاوف من تجدد النزاع الشامل في إقليم تيجراي، ما يؤكد أن هذه الحرب ستضع قيودًا عدة على تحقيق نمو اقتصادي في إثيوبيا.

ومن الجدير بالذكر هنا أن تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 أوضح أن الحكومة الإثيوبية قدَّرت الأضرار الناتجة عن حرب تيجراي والصراعات الأخرى المُزامنة، بالأخص في أوروميا وأمهرة، بنحو 22.6 مليار دولار، أي ما يُعادل نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2024-2025، كما أشار الصندوق إلى أن استمرار الصراع في أوروميا وأمهرة لا يزال يُعرقل النشاط الاقتصادي.

وبالإضافة إلى ذلك كان البنك الدولي قدَّر سابقًا أضرار الصراع في شمال إثيوبيا بنحو 20.4% من الناتج المحلي الإجمالي، واحتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 20 مليار دولار، وبالتالي قد تتعرض هذه الأرقام إلى التزايد في ظل الحرب الحالية.

(-) ارتفاع عجز الموازنة: إن الحرب الحالية في إثيوبيا تزيد من الإنفاق العسكري بشكل كبير، فتصريح وزير المالية الإثيوبي بأن الحكومة تتوقع ارتفاع إجمالي الإنفاق في السنة المالية 2026-2027 إلى نحو 14.69 مليار دولار بسبب الحرب في إيران يؤكد ذلك، فمع اشتعال الحرب في إثيوبيا يتدفق جزء كبير من إيرادات الموازنة نحو الإنفاق العسكري، وهو ما يخلق عجزًا أكبر، خاصًة أن إثيوبيا سجلت عجزًا في الميزانية الحكومية يعادل 1.20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2025.

(-) تضرر الزراعة والأمن الغذائي: تعتمد إثيوبيا بدرجة كبيرة على الزراعة كمصدر للدخل وسبل المعيشة، إذ تُشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" إلى أن نحو 80% من السكان يعتمدون على الزراعة، ولكن الحرب الحالية تمنع المزارعين من الوصول إلى الأراضي، ويعطل الزراعة والحصاد، ويؤدي إلى فقدان الماشية والأصول الزراعية، وبالتالي عندما ينخفض الإنتاج أو تتعطل طرق النقل، ترتفع تكلفة وصول الغذاء إلى الأسواق، ما يخلق تضخمًا كبيرًا في السوق الإثيوبية، إذ إنه سجل في أغسطس 2026 نحو 15.1%، بالمُقارنة بنحو 9.4% في مارس من العام نفسه.

ووفقًا لمنظمة الفاو، ارتفعت أسعار الذرة في عدد من الأسواق الإثيوبية خلال عام 2025 بنحو 20 إلى 44%، مقارنًة بمستوياتها السابقة، مع مساهمة انخفاض قيمة العملة وارتفاع تكاليف الوقود والنقل على الضغوط السعرية، كما أن الحرب الحالية إذا استمرت مدة طويلة ستضر بالثروة الحيوانية والأراضي والمعدات ومخزونات الغذاء، وبالتالي لا يخسر السكان غذاء اليوم فقط، وإنما القدرة على إنتاج غذاء الغد.

(-) نزوح المواطنين وتراجع سوق العمل: إن النتيجة المنطقية لاحتدام أي صراع هو ارتفاع عدد النازحين، فبحسب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، يوجد حاليًا نحو 4.2 مليون نازح داخليًا في إثيوبيا، بالإضافة إلى أكثر من 823 ألف لاجئ وطالب لجوء تستضيفهم البلاد، ومع اشتداد الصراع في إثيوبيا سترتفع هذه الأعداد بشكل كبير، وهو ما يخلق تكلفة كبيرة للنزوح تتمثل في خسارة الدخل وتكلفة الإغاثة وتكلفة الخدمات العامة وخسارة الإنتاجية، حيث تصل هذه التكلفة إلى مليارات الدولارات سنويًا.

ومن الناحية الأخرى، يؤثر النزوح على سوق العمل، مُسببًا ضغوطًا هائلة على مناطق الاستضافة وانكماشًا حادًا في مناطق الصراع، ما يُسبب انتشارًا للبطالة، خاصًة مع تجاوز معدل البطالة الفعلي في إثيوبيا 9.6% بإجمالي عدد عاطلين 5.2 مليون شخص، وفقًا لهيئة الإحصاء الإثيوبية، وهو ما يُعزى بشكل أساسي إلى نقص هيكلي حاد في فرص العمل، وتسارع وتيرة الهجرة من الريف إلى المدن، وتباطؤ النمو الصناعي الذي يؤثر بشكل غير متناسب على المناطق الحضرية والشباب في سن العمل، ومن هنا فالحرب الحالية في إثيوبيا ستفاقم هذا الوضع بشكل أكبر، مما يُخفِّض من الإنتاجية في الاقتصاد الإثيوبي.

التكلفة على الإقليم

إن الإقليم يتأثر بشدة جراء الحرب الحالية في إثيوبيا وفقًا لخريطة (1)، وذلك على النحو التالي:

خريطة (1): الموقع الجغرافي لإثيوبيا

(*) تراجع التجارة عبر الحدود: بالنظر إلى خريطة (1) يتضح أن إثيوبيا تجاور جغرافيًا كل من السودان وجنوب السودان والصومال وإريتريا وكينيا، وكما يوضح شكل (2) فالصادرات الإثيوبية إلى مجموعة من دول الجوار، كانت تتسم بالانتعاش النسبي في عام 2023، إذ قُدِّرت هذه الصادرات بنحو 142.16 مليون دولار للصومال، و99.6 مليون دولار لكينيا، و52.8 مليون دولار للسودان، و2.6 مليون دولار لجنوب السودان، ولكن مع اشتعال الأحداث في إثيوبيا، تأثرت هذه الصادرات، ومن المُرجَّح أن تنخفض بشكل كبير للغاية في ظل الحرب الحالية.

ومن ناحية أخرى؛ ونظرًا لأن إثيوبيا دول حبيسة، فإنها تعتمد بدرجة كبيرة على ممر جيبوتي للوصول إلى البحر، ففي عام 2025-2026 مرَّ عبر الموانئ البحرية في جيبوتي 96.71% من إجمالي حركة البضائع الإثيوبية من الواردات والصادرات، أي نحو 17.57 مليون طن، وبالتالي فاستمرار الصراع في إثيوبيا يؤدي إلى اضطراب التجارة إلى جيبوتي، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

ولما كان الاقتصاد الجيبوتي يعتمد بدرجة كبيرة على خدمات الموانئ والتجارة المرتبطة بإثيوبيا، فإن تراجع النشاط الاقتصادي الإثيوبي أو إضطراب الطرق البرية، قد يُخفِّض حركة البضائع والإيرادات المرتبطة بالموانئ، وبالإضافة إلى ذلك فحدوث اضطراب في أكثر من منطقة في الشرق الأوسط يُمكن أن يُضاعف المخاطر على التجارة والطاقة والغذاء.

شكل (2): حجم صادرات إثيوبيا إلى دول الجوار في عام 2023

(*) تضرر الاستقرار الإقليمي: تستقبل إثيوبيا أعدادًا كبيرة من اللاجئين من دول الجوار، وبالتالي فالحرب الحالية تخلق ضغطًا كبيرًا على الاستقرار الإقليمي، فالحرب في إثيوبيا تضغط على الحدود في منطقة القرن الإفريقي، ما يخلق مشكلات عدة مرتبطة باقتصاد اللاجئين، حيث تظهر بيانات 2026 أن التمويل والخدمات المُقدمة للاجئين داخل إثيوبيا تحت ضغط شديد، ومع الحرب الحالية قد يضطر اللاجئون إلى النزوح مرة أخرى داخل إثيوبيا أو العبور إلى دولة ثالثة.

(*) ارتفاع مخاطر الأمن الغذائي: يعتمد نقل السلع على تحقق الأمن والاستقرار بشكل كبير، فمع اشتعال الحرب في إثيوبيا، تتعرض سلاسل الإمداد إلى تعطل كبير، فجنوب السودان يعتمد بشدة على واردات الغذاء والمساعدات من إثيوبيا، وتُقدر الفاو أن 7.8 مليون شخص، أي 55% من سكان جنوب السودان كان من المتوقع أن يواجهوا مستويات أزمة غذائية أسوأ خلال أبريل – يوليو 2026، لولا الدعم من إثيوبيا.

وبالإضافة إلى ذلك تحتل الواردات الغذائية للصومال من إثيوبيا المرتبة الأولى، ومنها الخضروات بنحو 133.1 مليون دولار، والفواكه والمكسرات بنحو 6.10 مليون دولار، وهو الأمر الذي يجعل الحرب في إثيوبيا تؤثر على الأمن الغذائي في دول الجوار.

وفي النهاية يُمكن القول إن التكلفة الاقتصادية للصراعات المسلحة في إثيوبيا تتجاوز آثارها التكلفة المباشرة للعمليات العسكرية، لتتحول إلى عبء ممتد على قدرة الاقتصاد الإثيوبي على تحقيق التنمية والاستقرار، ولا تقتصر التكلفة على الأصول والبنية الأساسية المُدمرة، وإنما تمتد إلى تعطيل النشاط الإنتاجي، وإضعاف الاستثمار، وزيادة الضغوط على المالية العامة، فاستمرار الصراعات يمثل قيدًا على جودة واستدامة النمو الاقتصادي في إثيوبيا، وقدرته على التحول إلى فرص عمل ودخل وتحسن مستدام في مستويات المعيشة.

ومن ثمَّ، فإن الصراع الإثيوبي يمكن النظر إليه باعتباره تكلفة اقتصادية مُركَّبة ومتراكمة، تبدأ بالخسائر المباشرة في رأس المال والبنية الأساسية، ثم تتسع عبر خسائر الإنتاج والاستثمار والعمالة، وتنتقل إلى الموازنة العامة والقطاع الخارجي، قبل أن تتمتد إلى الدول المجاورة من خلال التجارة والنزوح والأمن الغذائي.