في الأول من يونيو 2026، تَوَجَّه أكثر من 50 مليون ناخب إثيوبي إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات العامة من أصل حوالي 135 مليون نسمة في إثيوبيا، وفقًا لمجلس الانتخابات الوطني في البلاد؛ لاختيار أعضاء البرلمان الفيدرالي والمجالس الإقليمية، وسط توقعات واسعة بحصول حزب الازدهار الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد على أغلبية تضمن له ولاية جديدة تمتد لخمس سنوات. وجرت الانتخابات في إثيوبيا، ثاني أكبر دولة سكانًا في إفريقيا بعد نيجيريا، في ظل استمرار التحديات الأمنية في بعض أقاليم البلاد، حيث تعذر إجراء التصويت في إقليم تيجراي وأجزاء من أمهرة وأوروميا؛ بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية.
يُذكر أن العديد من أحزاب المعارضة شكلت تحالفات لتعزيز نفوذها على المستوى الوطني، سعيًا منها لزيادة تمثيلها من 55 مقعدًا فقط في البرلمان، ومن المُنتظَر إعلان النتائج النهائية لتلك الانتخابات في الحادي عشر من يونيو الجاري.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: كيف يتعامل آبي أحمد مع التحديات الداخلية والإقليمية في حال فوزه بولاية جديدة؟
استحقاقات الداخل وأولويات التحرُّك الإقليمي
في ظل الفوز المُرتقَب لآبي أحمد، إلا أنه يواجه جملة من التحديات الداخلية والإقليمية التي ستكون المُحدد الرئيسي لنجاح ولايته الجديدة، تتمثل أبرزها في:
(*) الفقر وارتفاع الأسعار: يُعد الفقر في إثيوبيا تحديًا هيكليًا ضخمًا، حيث يعيش نحو 43% من السكان تحت خط الفقر الوطني، ويعاني أكثر من 72% من الفقر متعدد الأبعاد، وفق تقارير دولية. ومن المُرجَّح، بعد إعلان النتائج النهائية، أن يكون الملف الاقتصادي في مقدمة أولويات آبي أحمد خلال المرحلة المقبلة. فعلى الرغم من المؤشرات الحكومية التي تتحدث عن تحسن الأداء الاقتصادي وتراجع معدلات التضخم مقارنة بالسنوات السابقة، فإنه لا تزال شرائح واسعة من السكان تواجه ضغوطًا معيشية متزايدة. فقد أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، واستمرار الضغوط على العملة المحلية (البير)، إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر وارتفاع تكلفة الحياة اليومية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل تضخم الغذاء بلغ 13.5% في أبريل 2026، فيما ارتفع التضخم السنوي إلى 11.7%، مدفوعًا بزيادة أسعار السلع الأساسية مثل اللحوم والزيوت ومنتجات الألبان والسكر. كما حذرت تقارير دولية من استمرار أزمة غلاء المعيشة وتأثيرات الإصلاحات الاقتصادية وخفض الدعم على الفئات الأكثر هشاشة في البلاد.
وتزداد حدة هذا التحدي في ظل استمرار معدلات الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب وسكان المناطق الريفية، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية التي خلفتها الصراعات الداخلية خلال السنوات الماضية، والتي أثرت سلبًا على الإنتاج الزراعي وحركة التجارة والاستثمار. كما أن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع المؤسسات المالية الدولية يفرض على الحكومة تحقيق توازن دقيق بين استكمال الإصلاحات المالية والنقدية من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى. ومن ثم، فإن قدرة آبي أحمد على تحسين مستويات المعيشة، وكبح جماح الأسعار، وتوفير فرص العمل، ستكون من أبرز المؤشرات التي سيُقاس بها نجاح ولايته الجديدة، لا سيما أن المطالب الاقتصادية باتت تتصدر أولويات الناخب الإثيوبي أكثر من أي وقت مضى.
(*) أزمة تيجراي: على الرغم من توقيع اتفاق بريتوريا للسلام بعاصمة جنوب إفريقيا في نوفمبر 2022، وهو اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي بوساطة الاتحاد الإفريقي، إلا أن أزمة تيجراي لم تُغلق بصورة نهائية. فما زالت المنطقة تعاني من توترات سياسية وأمنية متكررة، كما لم تُجرَ الانتخابات في الإقليم، خاصة أن تيجراي موطنٌ لما يقدر بنحو ستة ملايين نسمة.
وفي مايو 2025، تفاقمت التوترات بين جبهة تحرير شعب تيجراي وأديس أبابا بشكل مطرد، إذ ألغت الحكومة الفيدرالية الوضع القانوني لجبهة تحرير شعب تيجراي كحزب سياسي، ما منعها من خوض الانتخابات الفيدرالية والإقليمية، ورفضت جبهة تحرير شعب تيجراي مرارًا الانضمام إلى حزب الشعب في إطار خلافات أوسع نطاقًا حول النظام الفيدرالي العرقي في إثيوبيا، والذي أشعل فتيل حرب تيجراي في 2020. بجانب ذلك، تعتقد جبهة تحرير شعب تيجراي أن الحكومة قد تراجعت عن التزاماتها بشأن قضايا أخرى في اتفاقية بريتوريا، كرغبتها في استعادة الأراضي التي خسرتها خلال الحرب مثل غرب تيجراي. وفي يونيو 2026، تدخلت جبهة تحرير شعب تيجراي - الرافضة إعادة تعيين آبي زعيمًا للحكومة دون استشارة - وانتخبت ديبريتسيون جبريميكائيل لتولي المنصب.
فمن المتوقع أن يسعى آبي أحمد خلال المرحلة المقبلة إلى تسكين علاقته بجبهة تحرير شعب تيجراي، خاصة أن استئناف الصراع سيهدد الإصلاحات الاقتصادية التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها. ولذلك قد يتجه نحو تعزيز التفاهمات السياسية مع القوى المحلية في تيجراي، متبنيًا إعادة دمج الإقليم في المؤسسات الفيدرالية، مع استمرار الضغوط الأمنية ضد أي أطراف قد تهدد اتفاق السلام.
(*) التحديات الأمنية في أمهرة وأوروميا: إلى جانب التوترات المستمرة في تيجراي، شهدت منطقتان من أكثر مناطق البلاد اكتظاظًا بالسكان، وهما أمهرة وأوروميا، تمردات عنيفة في السنوات الأخيرة، حيث تواصل ميليشيات فانو في أمهرة وجيش تحرير أورومو في أوروميا قتال القوات الحكومية، مما أسفر عن مقتل الآلاف من المدنيين وإجبار مئات الآلاف من الناس على ترك منازلهم. فكلاهما يرغب في مزيد من الاستقلال الذاتي العرقي؛ وإن كان ذلك لأسباب مختلفة تتمثل في رفض ميليشيات الأمهرة، التي قاتلت إلى جانب الحكومة في حرب تيجراي، أمر حلها في عام 2023، قائلةً إن هذه الخطوة ستجعل منطقتهم عرضة للهجوم. كما تسعى منظمة تحرير أورومو، المصنفة منظمة إرهابية من قِبَل البرلمان الإثيوبي، إلى منح الأورومو، أكبر مجموعة عرقية في البلاد والتي لطالما شعرت بالتهميش، مزيدًا من الحكم الذاتي.
وشنت ميليشيات أمهرة فانو هجمات للحد من قدرة الحكومة الفيدرالية على إجراء الانتخابات في منطقة أمهرة بشمال إثيوبيا، ثاني أكبر مناطق البلاد من حيث عدد السكان. وأصدرت حركة أمهرة فانو الوطنية، وهي أقوى فصائل فانو، بيانًا في مارس 2026 هددت فيه مؤيدي الانتخابات. وواصلت فانو تصعيد هجماتها في جميع أنحاء أمهرة خلال شهر مايو 2026، مستهدفة البنية التحتية للانتخابات. وأعلنت لجنة الانتخابات في 26 مايو 2026 أن الحكومة الفيدرالية لن تجري انتخابات في ثماني دوائر انتخابية في أمهرة؛ بسبب هجمات فانو. ثم أعلنت حركة أمهرة فانو الوطنية إغلاق الطرق في أمهرة من 29 مايو إلى 2 يونيو 2026؛ لتعطيل الانتخابات.
لذا، من المرجح أن يتبنى آبي أحمد مزيجًا من الأدوات الأمنية والسياسية خلال ولايته الجديدة. فمن جهة، سيواصل العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة التي تهدد سلطة الدولة، ومن جهة أخرى قد يفتح قنوات حوار مع بعض القوى المحلية؛ بهدف تخفيف حدة التوترات، خاصة أن جيش تحرير أورومو في أوروميا قام بتقليد تصرفات فانو.
(*) ملف النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر: تتأثر انتخابات إثيوبيا لعام 2026 بديناميكيات إقليمية متزايدة التعقيد، في ظل سعي رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تعزيز النفوذ الإثيوبي وتأمين وصول بحري وتجاري إلى البحر الأحمر باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لبرنامجه الانتخابي "الازدهار". وفي هذا السياق، انتقد آبي أحمد وضع بلاده كدولة حبيسة، واصفًا إياه بأنه "سجن جغرافي" يجب تغييره بما يلبي الاحتياجات الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا ويعزز مكانتها الإقليمية المتنامية. وانطلاقًا من هذا التوجه، ركزت أديس أبابا على ميناء عصب الإريتري باعتباره الخيار المفضل للوصول إلى البحر، استنادًا إلى الاعتبارات التاريخية واستخدامها السابق للميناء، رغم توقيعها اتفاقًا مع ما يسمى إقليم "أرض الصومال" عام 2024 للحصول على منفذ بالقرب من ميناء بربرة الصومالي.
وأثارت التحركات الإثيوبية الرامية لامتلاك "منفذ سيادي" على البحر الأحمر مخاوف من زيادة حدة التوترات الإقليمية خاصة مع إريتريا، في ظل حديث آبي أحمد عن "استعادة النفوذ" في ميناء عصب، وهو ما قد يُحدث توترات في المنطقة قد تنتهي بمزيد من عزلة إثيوبيا عن جيرانها في ظل أطماعها الإقليمية.
ختامًا؛ يمكن القول إن أغلب التقديرات الدولية ترجح احتفاظ حزب الازدهار بالأغلبية البرلمانية بفارق كبير عن منافسيه، ما يمنح آبي أحمد تفويضًا سياسيًا جديدًا لإدارة ملفات داخلية معقدة تتعلق بالاقتصاد وارتفاع الأسعار والأوضاع الأمنية، إلى جانب قضايا إقليمية ترتبط بتعزيز النفوذ الإثيوبي وإعادة ترتيب علاقات أديس أبابا مع محيطها الإقليمي. كما أن حجم الفوز المتوقع سيحدد إلى حد كبير طبيعة أولويات الحكومة المقبلة؛ فكلما اتسعت الأغلبية البرلمانية ازدادت قدرة آبي أحمد على التحرك بالتوازي في الملفات الداخلية والخارجية، بينما قد تدفعه أي مؤشرات على تراجع التأييد الشعبي إلى إعطاء الأولوية لمعالجة الأزمات الداخلية أولًا.