تستضيف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أعمال القمة العادية التاسعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي بمقر الاتحاد يومي 14 و15 فبراير 2026، بعد استكمال سلسلة الاجتماعات التحضيرية التي شملت الدورة الحادية والخمسين للجنة الممثلين الدائمين (12–30 يناير 2026) والدورة الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي على مستوى وزراء الخارجية (11–12 فبراير 2026).
وتأتي هذه الدورة في إطار المتابعة الدورية لتنفيذ أجندة إفريقيا 2063، ومراجعة الأداء المؤسسي والمالي للاتحاد، وتقييم تطورات السلم والأمن في القارة السمراء.
واعتمدت مفوضية الاتحاد لعام 2026 موضوع "المياه مورد حيوي للحياة والتنمية والاستدامة" محورًا رئيسيًا لمداولات العام، بما يعكس تصاعد أولوية الأمن المائي وإدارة الموارد العابرة للحدود في ظل ضغوط المناخ والنمو السكاني.
ويتصدر جدول الأعمال كذلك ملف الإصلاح المؤسسي، بما في ذلك تقييم كفاءة الهياكل الحالية وتسريع وتيرة تنفيذ البرامج القارية، إلى جانب النظر في تعيين عشرة أعضاء جدد في مجلس السلم والأمن الإفريقي، واستعراض تقارير حول النزاعات في السودان وجنوب السودان ومنطقة الساحل.
وتأتي القمة في ظرف دولي وإقليمي بالغ التعقيد، يتسم بتصاعد الاستقطاب في النظام العالمي، واشتداد المنافسة على النفوذ داخل القارة، بالتوازي مع تفاقم أعباء الديون وتراجع القدرة المالية لعدد من الدول الإفريقية.
وهذه البيئة الضاغطة تجعل من القمة الـ39 محطة مفصلية لإعادة تقييم أولويات العمل القاري، وبحث سبل تعزيز التنسيق الجماعي لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، وترسيخ مقاربة إفريقية أكثر تماسكًا في التعامل مع المتغيرات الدولية المتسارعة.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما مخرجات القمة العادية الـ39 للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا؟
مخرجات هامة
أصدرت القمة الإفريقية الـ39 خلال يومها الأول عددًا من القرارات الهامة، تتمثل أبرزها في:
(*) التغيير القيادي وانتقال الرئاسة الدورية: أقرت القمة انتخاب الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي رئيسًا دوريًا للاتحاد الإفريقي لعام 2026، وهو الانتقال الذي يحمل أبعادًا سياسية مهمة تتجاوز البروتوكول المعتاد، إذ تمنح رئاسة بوروندي منطقة البحيرات الكبرى وزنًا أكبر في جدول الأعمال القاري، خصوصًا في ضوء النزاعات المستمرة في شرق ووسط إفريقيا، وهذا الانتقال القيادي يعكس التزام الاتحاد الآلية التقليدية للتداول الإقليمي في المناصب القيادية، ويؤكد أهمية توزيع المسؤوليات بطريقة تضمن التوازن الجغرافي والسياسي بين الدول الأعضاء.
وينعكس تولي ندايشيميي الرئاسة الدورية على أولويات الاتحاد في عام 2026، إذ من المتوقع أن يركز على تعزيز الوساطات الإقليمية، ومتابعة النزاعات في السودان وجنوب السودان، والعمل على دعم مشروعات تنموية مرتبطة بالخدمات الأساسية، كما أن حضور بوروندي على رأس الاتحاد قد يسهم في دفع أجندة الشباب والأمن الحدودي، ما يجعل من هذه الرئاسة مرحلة اختبار لمدى قدرة القادة الأفارقة على ترجمة التوازن الرمزي إلى تأثير فعلي على الأرض.
(*) اعتماد المياه أولوية إستراتيجية لعام 2026: اعتمدت القمة شعار العام 2026 تحت عنوان "المياه مورد حيوي للحياة والتنمية والاستدامة"، ليصبح الإطار المرجعي لكل برامج الاتحاد خلال العام.
ويشير هذا القرار إلى تحول إستراتيجي في تعريف مفهوم الأمن داخل القارة، إذ لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية التقليدية، بل يشمل الموارد الطبيعية الحيوية التي ترتبط مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، ويعكس هذا التوجه أيضًا إدراك القادة الأفارقة أن إدارة المياه يجب أن تكون جزءًا من الحلول الوقائية للأزمات بدلًا من كونها مجرد استجابة لاحقة للنزاعات.
فاعتماد المياه محورًا رئيسيًا خلال القمة يعني تعزيز الاستثمار في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتطوير آليات تنسيق بين الدول المتشاركة في الأحواض المائية العابرة للحدود، كما يشير إلى أهمية إدماج قضايا الأمن المائي ضمن خطط التنمية الوطنية والقارية، فالاتحاد يسعى لتحويل الموارد المائية من ملف تنموي تقليدي إلى أداة إستراتيجية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي وربط التنمية بالسلام والاستدامة.
(*) إصلاح الحوكمة الدولية وتمثيل إفريقيا: جددت القمة التأكيد على موقف إفريقيا من إصلاح مجلس الأمن الدولي، وضرورة تمثيل القارة بشكل دائم، وهو موقف دعمته تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.
وهذا القرار يعكس التوافق القاري حول ضرورة تعزيز موقع إفريقيا في النظام الدولي، فلم تعد القارة قادرة على الاقتصار على حضور شكلي أو تواطؤ سياسي محدود، بل تسعى للحصول على مقعد دائم يضمن لها القدرة على المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات الدولية المؤثرة على مصالحها.
ويشير هذا الموقف إلى رغبة الاتحاد في تعزيز وحدته الدبلوماسية أمام القوى الكبرى، وهو ما يتيح للقارة أدوات ضغط جماعية في المحافل الدولية، كما أن هذا التوجه يظهر أن القادة الأفارقة يسعون إلى ربط المفاوضات الدولية بالتنسيق الداخلي، ليكون هناك صوت موحد يعكس مصالح القارة ويعزز موقفها الإستراتيجي في الأزمات العالمية المقبلة.
(*) النزاعات الإقليمية وتعزيز دور مجلس السلم والأمن: ناقشت القمة الإفريقية الـ39 تقارير مجلس السلم والأمن الإفريقي مع تركيز خاص على النزاعات المستمرة في السودان وجنوب السودان ومنطقة الساحل، وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف أهمية العمل بمبدأ "الحلول الإفريقية للمشكلات الداخلية للقارة"، واعتبر أن هذا التوجه أصبح حتميًا في ظل السياق الجيوسياسي المتأزم والتحديات الأمنية المتنامية.
وأوضح أن القادة سيناقشون أيضًا مسألة الأمن والسلم وبؤر التوتر، مع متابعة تأثير الجماعات الإرهابية وتصاعد النزاعات الداخلية على استقرار القارة، مؤكدًا ضرورة تعزيز الوساطات الإفريقية وتقوية آليات مجلس السلم والأمن لضمان تنفيذ القرارات على أرض الواقع.
وفي الإطار نفسه، أكد رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد أن القارة تواجه لحظة حاسمة تتطلب تكريس الحلول الإفريقية، بينما دعا الرئيس الأنجولي ورئيس الاتحاد الإفريقي المنتهية ولايته جواو لورنسو إلى رفض التدخلات الخارجية وتعزيز استقلالية القرار الأفريقي.
ورغم هذه التوجهات الواضحة، تظل تنفيذ القرارات تحديًا عمليًا كبيرًا، إذ يعتمد نجاح مجلس السلم والأمن على مستوى التنسيق بين الأعضاء والقدرة على فرض حلول عملية في مناطق النزاع التي تشهد تعدد الأطراف والتأثيرات الخارجية على النزاعات الداخلية.
(*) التكامُل الاقتصادي القاري: أكد القادة خلال القمة على تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مع التركيز على إزالة العوائق غير الجمركية وتسهيل حركة السلع والخدمات بين الدول الأعضاء.
ويعكس هذا القرار إدراكًا بأن التكامل الاقتصادي لم يعد خيارًا بعيد المدى، بل أصبح ضرورة حيوية لمواجهة الأزمات الاقتصادية، والتقليل من الاعتماد على التمويل الخارجي، ودعم التنمية الداخلية المستدامة.
ويشير هذا التوجه إلى أن الاتحاد يسعى لتقوية السوق الإفريقية الموحدة كأداة لتعزيز النمو الاقتصادي وتقليل تأثير الأزمات العالمية على الدول الأعضاء، كما أن تعزيز التجارة البينية يمكن أن يسهم في معالجة البطالة، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، ورفع قدرة الدول الإفريقية على التفاوض بشكل جماعي في مواجهة التكتلات الاقتصادية الدولية.
(*) الإصلاح المؤسسي داخل الاتحاد الإفريقي: أعلنت القمة استمرار مسار الإصلاح المؤسسي والمالي داخل الاتحاد؛ بهدف تعزيز الاستقلالية التمويلية وتحسين كفاءة تنفيذ القرارات.
ويعكس هذا المخرج وعي الاتحاد بالحاجة إلى بناء قدرات مؤسسية قادرة على تحويل الخطط الإستراتيجية إلى برامج عملية قابلة للتطبيق، فدون إصلاح الهيكل الداخلي تظل القرارات مجرد بيانات سياسية لا أكثر.
وتحمل هذه الخطوة دلالة مزدوجة، فمن جهة تؤكد أن الاتحاد يسعى إلى تعزيز فعالية عمله داخليًا، ومن جهة أخرى تعكس إدراكًا أن التحديات الاقتصادية والسياسية على مستوى الدول الأعضاء تتطلب مؤسسات قوية ومرنة لدعم تنفيذ السياسات القارية، وبالتالي يمكن القول إن الإصلاح المؤسسي أصبح شرطًا مسبقًا لأي تقدم حقيقي في ملفات السلم والأمن أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ختامًا، رغم أهمية القرارات الصادرة، يبقى التحدي الأكبر مرتبطًا بقدرة الاتحاد على ترجمة هذه المخرجات إلى سياسات تنفيذية ملموسة في ظل ضعف الموارد المالية وتعدد مراكز النفوذ داخل القارة واستمرار التدخلات الخارجية في بعض بؤر النزاع.
وعليه، يمكن القول إن القمة الـ39 شكَّلت محطة لتجديد الالتزام السياسي بالقضايا القارية الكبرى، لكنها تظل مرهونة بمدى فعالية آليات المتابعة والتنفيذ، وبقدرة الدول الأعضاء على تجاوز الحسابات الضيقة لصالح بناء موقف إفريقي أكثر تماسكًا واستقلالية في مواجهة التحديات المتسارعة.