الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أزمة "ميرز" السياسية تضع موازنة الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب

  • مشاركة :
post-title
المستشار الألماني فريدريش ميرز

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

وضعت النتائج الانتخابية الأخيرة في ألمانيا المستشار فريدريش ميرز أمام مرحلة سياسية أكثر تعقيدًا، بعدما تلقى حزبه الاتحاد الديمقراطي المسيحي خسائر كبيرة في انتخابات إقليمية متتالية، في وقت تستعد فيه بروكسل لأشهر حاسمة من المفاوضات بشأن موازنة الاتحاد الأوروبي المقبلة، التي تبلغ قيمتها نحو تريليوني يورو وتمتد لسبع سنوات، ما أثار تساؤلات حول قدرة برلين على لعب دورها التقليدي في التوصل إلى تسويات داخل التكتل، بحسب "فايننشال تايمز".

وكشفت الانتخابات في ولايتي برلين ومكلنبورج-فوربومرن حجم الضغوط التي تعرَّض لها ميرز، إذ تصدر حزب "البديل من أجل ألمانيا" انتخابات مكلنبورج-فوربومرن بنسبة 38.2%، بينما حصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي على 4.9% فقط، وهي نتيجة حرمته من دخول برلمان الولاية، في حين تقدم حزب اليسار في برلين بنسبة 25.7% مقابل 18.8% للمحافظين، بحسب النتائج الانتخابية، وبالتزامن مع ذلك، حذرت أوساط أوروبية من انعكاس ضعف ميرز على ملفات التكتل، وعلى رأسها الموازنة طويلة الأجل.

 أزمة ألمانية

أضعفت الخسائر الإقليمية قدرة ميرز السياسية داخل ألمانيا وفي بروكسل، بعدما جاءت بعد هزيمة أخرى للاتحاد الديمقراطي المسيحي أمام "البديل من أجل ألمانيا" في ساكسونيا-أنهالت في السادس من سبتمبر، حيث تصدر الحزب اليميني النتائج، ما فتح الباب أمام محاولة تشكيل أول حكومة إقليمية يقودها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق ما أظهرته النتائج الرسمية للولاية.

وأصبح مستقبل ميرز أكثر حساسية بعدما ظهرت دعوات داخل حزبه إلى إعادة النظر في قيادته، بينما أكد المستشار أنه يريد الاستمرار في منصبه وفي قيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، متمسكًا بخططه الاقتصادية والإصلاحية، رغم تراجع شعبيته والنتائج الضعيفة التي سجلها الحزب في الولايات الشرقية، ما يعني أن أي خطوة سياسية كبيرة على المستوى الأوروبي قد تخضع بدورها لحسابات داخلية أكثر تعقيدًا.

وأربكت هذه التطورات الدور الذي اعتادت ألمانيا القيام به في الاتحاد الأوروبي، إذ قال مسؤولون أوروبيون لصحيفة "فايننشال تايمز" إن برلين كانت تاريخيًا قادرة على التدخل عندما تصل المفاوضات إلى طريق مسدود ودفع الأطراف نحو حل وسط، لكن ضعف ميرز قد يقلل قدرته على ممارسة هذا الدور، خصوصًا إذا أصبح مستقبله السياسي نفسه موضع نقاش داخل ألمانيا.

موازنة أوروبية

طرحت المفوضية الأوروبية مشروع الموازنة متعددة السنوات للفترة من 2028 إلى 2034 بقيمة تقارب تريليوني يورو، بما يعادل في المتوسط 1.26% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، وجاءت الخطة لتعيد ترتيب أولويات الإنفاق حول التنافسية والدفاع والأمن والطاقة والتحول الرقمي والتماسك الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعلها من أكثر الملفات المالية والسياسية حساسية أمام حكومات الدول الأعضاء.

وقادت ألمانيا مجموعة من الدول التي تتبنى موقفًا أكثر تحفظًا ماليًا وتسعى إلى إدخال تخفيضات بمئات المليارات من اليورو على المقترح الأولي للمفوضية، وهو موقف يتطلب وزنًا سياسيًا كبيرًا داخل المجلس الأوروبي للوصول إلى صيغة تحظى بقبول الدول المختلفة، من الدول الأكبر مساهمة في الميزانية إلى الدول المستفيدة بدرجة أكبر من أموال الاتحاد.

وحذرت أوساط أوروبية من أن التوصل إلى اتفاق قبل نهاية ديسمبر المقبل يُمثّل هدفًا أساسيًا؛ لأن عدم الاتفاق قد يترك الاتحاد من دون إطار مالي جديد عند بدء المدفوعات في يناير 2028، وهو ما قد يضر بموثوقية المؤسسات الأوروبية وقدرتها على تنفيذ البرامج المقررة، فيما تحتاج المفاوضات إلى قرارات سياسية صعبة بشأن أولويات الإنفاق وحجم مساهمات الدول الأعضاء.

 ملفات متشابكة

امتدت تداعيات ضعف ميرز إلى ما هو أبعد من الموازنة، إذ واجه الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالمنافسة التجارية مع الصين، وتخفيف الأعباء التنظيمية المرتبطة بسياسات المناخ عن الشركات المتضررة، والحفاظ على الدعم الأوروبي لأوكرانيا، إلى جانب زيادة الإنفاق على الدفاع في ظل تغير البيئة الأمنية في القارة.

وأعاد تصاعد التهديدات الأمنية كذلك النقاش بشأن حجم الموارد التي يحتاجها الاتحاد لتعزيز قدراته الدفاعية، فيما تفرض الحرب الروسية الأوكرانية ضغوطًا إضافية على الموازنات الوطنية والأوروبية، ما يجعل الخلاف حول كيفية توزيع أموال الاتحاد مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن والطاقة والسياسة الصناعية ودعم الدول المتضررة من الأزمات الجيوسياسية.

وأظهرت المفوضية أن مشروع الموازنة الجديدة يستهدف تعزيز قدرة أوروبا على الاستثمار في التنافسية والدفاع والتحول الرقمي والصحة والابتكار، فيما خصصت الخطة المقترحة مئات المليارات لخطط الشراكة الوطنية والإقليمية وصندوق التنافسية الأوروبي، وهو ما يعني أن الخلاف النهائي لن يدور فقط حول حجم الموازنة، وإنما حول القطاعات التي ستحصل على النصيب الأكبر من التمويل خلال السنوات السبع المقبلة.

حزب البديل لألمانيا

واجه ميرز بذلك معادلة سياسية مزدوجة، إذ يحتاج داخليًا إلى استعادة ثقة الناخبين بحكومته والاتحاد الديمقراطي المسيحي، بينما تحتاج منه الدول الأوروبية إلى موقف واضح وقادر على التفاوض في ملفات لا يمكن حسمها من دون دعم ألمانيا، أكبر اقتصاد ودولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

وأصبح أي تغيير في القيادة الألمانية، وفق مسؤولين أوروبيين نقلت عنهم "فايننشال تايمز"، مصحوبًا بفترة انتقالية قد تستغرق أشهرًا قبل أن يتمكن خليفة ميرز المحتمل من بناء نفوذ داخل بروكسل وفهم تفاصيل المفاوضات وتحديد أولويات حكومته، وهو ما يزيد مخاطر تأخر التوافق على الموازنة أو تجميد بعض الملفات الاقتصادية والسياسية الأخرى.

وأعاد فوز "البديل من أجل ألمانيا" في مكلنبورج-فوربومرن وتقدمه في ولايات شرقية أخرى الضغط على الأحزاب التقليدية، بينما جاء تقدم حزب اليسار في برلين ليؤكد أن المشهد السياسي الألماني لا يتحرك فقط نحو اليمين، بل يشهد أيضًا تراجعًا في دعم الأحزاب الرئيسية وتزايدًا في الانقسام بين القوى السياسية، ما يصعب مهمة أي حكومة اتحادية في بناء توافق داخلي واسع حول سياساتها الأوروبية.

وأصبح نجاح ألمانيا في لعب دورها داخل الاتحاد الأوروبي مرتبطًا بالتطورات السياسية الداخلية بقدر ارتباطه بمصالحها الاقتصادية، فكلما تراجع هامش المناورة أمام ميرز، باتت قدرته على تقديم تنازلات أو إبرام تسويات في ملفات مثل الموازنة والدفاع والتجارة أكثر حساسية أمام حزبه والناخبين، بينما تحتاج بروكسل إلى اتفاق سريع قبل نهاية العام لتجنب تأجيل القرارات المتعلقة بالإطار المالي الجديد.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن نتائج الانتخابات المحلية لم تتوقف آثارها عند حدود الولايات الألمانية، بل امتدت إلى حسابات الاتحاد الأوروبي بشأن أكبر ملف مالي لديه، في وقت تواجه فيه القارة ضغوطًا متزامنة تتعلق بالأمن والطاقة والتنافس الصناعي والتجارة ودعم أوكرانيا، لتصبح قدرة برلين على الحفاظ على نفوذها التفاوضي عاملًا مهمًا في مسار المفاوضات الأوروبية خلال الأشهر المقبلة.