اختبرت انتخابات ولايتي برلين ومكلنبورج-فوربومرن موقع المستشار الألماني فريدريش ميرز وحزبه الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بعدما توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع وسط تراجع شعبية الحكومة وصعود حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وذلك بعد أسبوعين فقط من النتائج القوية التي حققها الحزب اليميني المتطرف في ساكسونيا-أنهالت؛ ما جعل الانتخابات المحلية الجديدة محط أنظار السياسة الألمانية على المستوى الاتحادي.
وأظهرت التوقعات الأولية في برلين تقدمًا لحزب اليسار بقيادة إليف إيرالب، الذي تراوحت حصته المتوقعة بين 24.5 و26%، مقابل نحو 20% للاتحاد الديمقراطي المسيحي، بينما حصل حزب الخضر على ما بين 15 و15.5%، وتراوح نصيب "البديل من أجل ألمانيا" بين 13.5 و16%، فيما تراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى نحو 12%، في نتيجة أضعفت موقع الأحزاب التي تدير العاصمة حاليًا، وأعادت فتح النقاش حول شكل الحكومة المقبلة، وتنسجم هذه التوقعات مع استطلاعات ما قبل الانتخابات التي وضعت اليسار والاتحاد الديمقراطي المسيحي في مقدمة السباق مع تقارب كبير بينهما، بحسب موقع "إن تي في" الألماني.
نتائج مُقلقة
كشف التصويت في برلين عن حجم الاستياء من أداء حكومة الولاية، إذ أظهر استطلاع تمهيدي أجرته مؤسسة "إنفراتست ديماب" أن 20% فقط من السكان كانوا راضين عن أداء الائتلاف الحاكم من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، مقابل 77% غير راضين، وهي أدنى نسبة رضا تُسجَّل لحكومة ولاية ألمانية قبل انتخابات منذ بدء هذه القياسات عام 1998، ما جعل الانتخابات مرتبطة أيضًا بأداء الأحزاب الحاكمة على المستوى الاتحادي.
وأصبح الاتحاد الديمقراطي المسيحي أمام احتمال فقدان موقعه في إدارة العاصمة، بعدما كان يتولى رئاسة حكومة برلين، فيما كان المرشح الرئيسي للحزب ستيفان إيفرز ينافس على صدارة السباق وسط تراجع شعبية الائتلاف، وباتت احتمالات تشكيل حكومة جديدة مرتبطة بنتائج الأحزاب الأخرى وقدرتها على تجاوز نسبة 5% المطلوبة لدخول البرلمان.
وأعلن حزب اليسار احتفاله بالتقدم في التوقعات الأولية، بينما وصف المرشح الرئيسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي ستيفن كراخ نتيجة حزبه بأنها "كارثية"، قائلًا إن الحزب لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه يمثل "حزب برلين" كما كان لعقود، في إشارة إلى حجم التراجع الذي تعرض له في العاصمة.
صعود اليمين
تزامنت نتائج برلين مع استمرار صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" في شرق ألمانيا، بعدما حقق قبل أسبوعين نتيجة تاريخية في ساكسونيا-أنهالت، حيث أصبح قريبًا من الأغلبية المطلقة في برلمان الولاية، في تطور منح الحزب أقوى فرصة حتى الآن لتشكيل أول حكومة إقليمية له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي مكلنبورج-فوربومرن، ظل الصراع أكثر احتدامًا بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب "البديل من أجل ألمانيا"، إذ أظهرت آخر استطلاعات ما قبل التصويت تقدم البديل بنسبة 38% مقابل 33% للاشتراكي الديمقراطي، بينما واجه الاتحاد الديمقراطي المسيحي خطر تسجيل أسوأ نتيجة له في انتخابات إقليمية ألمانية، بعدما دارت تقديراته حول 6 إلى 7% فقط، أي بالقرب من عتبة الـ5% اللازمة لدخول البرلمان.
وأبقت هذه الأرقام إمكانية تشكيل حكومة يقودها "البديل من أجل ألمانيا" محدودة، إذ أعلنت الأحزاب الأخرى رفضها التحالف معه، كما لم تمنحه استطلاعات ما قبل الانتخابات الأغلبية المطلوبة، بينما ظلت تركيبة الحكومة المقبلة معتمدة على أداء الأحزاب الصغيرة وقدرتها على تجاوز عتبة البرلمان.
أزمة ميرز
ضاعفت النتائج الضغوط على ميرز، الذي تولى منصب المستشار قبل 16 شهرًا متعهدًا بإعادة تنشيط الاقتصاد الألماني الذي عانى سنوات من ضعف النمو، لكنه واجه منذ ذلك الحين تراجعًا في شعبيته واستياءً متزايدًا من أداء الحكومة، إلى جانب صعود "البديل من أجل ألمانيا" في عدد من الولايات، خصوصًا في شرق البلاد.
وأظهرت استطلاعات أجريت قبيل انتخابات الأحد أن مستويات الثقة في ميرز كانت منخفضة للغاية في الولايتين، فيما قال نحو 90% من المشاركين إن تقييمهم لأداء الحكومة الاتحادية سلبي، كما شكّل ارتفاع الأسعار أحد أبرز مصادر القلق، إذ أعرب 67% في مكلنبورج-فوربومرن و56% في برلين عن مخاوف من عدم القدرة على تحمل فواتيرهم إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
وأعاد تراجع شعبية الحكومة إلى الواجهة الانتقادات الموجهة إلى سياسة ميرز الاقتصادية، في وقت يطالب فيه الناخبون بإجراءات لدعم النمو وخفض تكاليف الطاقة والوقود، بينما يحاول المستشار تنفيذ إصلاحات يقول إنها تحتاج إلى وقت لإظهار نتائجها.
مستقبل المحافظين
واجه الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الانتخابات الأخيرة تحديين متوازيين، أولهما استعادة ثقة الناخبين، والثاني الحفاظ على موقعه باعتباره القوة الرئيسية في المعسكر المحافظ في مواجهة "البديل من أجل ألمانيا"، الذي يسعى إلى توسيع نفوذه في الولايات الشرقية ثم استخدام ذلك النفوذ للضغط على الأحزاب التقليدية.
وفي برلين، أظهر تقدم حزب اليسار في التوقعات الأولية أن الصراع لا يقتصر على اليمين والوسط، بل يمتد أيضًا إلى إعادة تشكيل التحالفات الحكومية في العاصمة، حيث أصبح حزب اليسار في موقع يسمح له بالمطالبة بقيادة الحكومة، بينما يواجه الاتحاد الديمقراطي المسيحي احتمال الانتقال إلى المعارضة، بحسب التركيبة النهائية للمقاعد والتحالفات. وكانت استطلاعات ما قبل الانتخابات قد أشارت بالفعل إلى أن استمرار الائتلاف الحالي بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي قد لا يحقق الأغلبية.
أما في مكلنبورج-فوربومرن، فكان تقدم "البديل من أجل ألمانيا" في استطلاعات ما قبل الانتخابات مقابل الاشتراكي الديمقراطي مؤشرًا إضافيًا على اتساع نفوذ الحزب في شرق ألمانيا، رغم أن تشكيل حكومة بقيادته ظل مرتبطًا بتجاوز الأحزاب الأخرى لرفض التحالف معه.
ضغوط متصاعدة
أصبحت نتائج الولايتين جزءًا من مسار سياسي أوسع بالنسبة إلى ميرز، إذ تأتي بعد هزيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ساكسونيا-أنهالت، وفي وقت بدأت فيه أصوات من داخل الحزب تتساءل عن أسباب تراجع شعبيته، فيما حذر آخرون من تحويل النقاش إلى معركة شخصية حول مستقبل المستشار.
وأكد ميرز مرارًا عزمه الاستمرار في منصبه واستكمال ولايته، بينما ألغى رحلة كانت مقررة إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل توقعات بمرحلة سياسية صعبة عقب الانتخابات.
وأظهرت انتخابات برلين ومكلنبورج-فوربومرن أن صعود "البديل من أجل ألمانيا" أصبح تحديًا وطنيًا لا يقتصر على ولاية واحدة، بينما يواجه ميرز مهمة مزدوجة تتمثل في تحسين صورة حكومته وتعزيز ثقة الناخبين في برنامجه الاقتصادي، والحفاظ في الوقت نفسه على تماسك الاتحاد الديمقراطي المسيحي وقدرته على منافسة اليمين المتطرف، في ظل استمرار التغير في خريطة التحالفات داخل الولايات الألمانية.