الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الاتحاد الأوروبي يُحاصر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بـ"البطاقة الخضراء"

  • مشاركة :
post-title
الذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

مع سعي بروكسل إلى تحقيق التوازن بين التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي والتزامها بخفض الانبعاثات والوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050، أطلق الاتحاد الأوروبي نظامًا جديدًا لتصنيف الاستدامة البيئية لمراكز البيانات التي تشغّل تقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف زيادة الشفافية بشأن استهلاك هذه المنشآت للكهرباء والمياه ونوعية الطاقة التي تستخدمها.

وأعلنت المفوضية الأوروبية أن القواعد الجديدة ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من أغسطس 2027، وستلزم مراكز البيانات الكبرى بعرض بطاقة تتدرج من "A" إلى "G"، على غرار تصنيفات كفاءة الطاقة المستخدمة في الأجهزة المنزلية، على أن تشمل التقييمات كفاءة استخدام الكهرباء والمياه ونسبة الطاقة النظيفة ومقدار الحرارة التي يعاد استخدامها، في إطار ما وصفه مفوض الطاقة الأوروبي دان يورجنسن بأنه محاولة لتوفير مزيد من الشفافية وخلق حوافز أمام الشركات لجعل منشآتها أكثر استدامة، بحسب موقع "بوليتيكو".

بطاقة خضراء

أصبح النظام الأوروبي المقترح الأكثر شمولًا من نوعه على مستوى العالم، وفق المفوضية، لأنه لا يكتفي بقياس كمية الكهرباء المستهلكة داخل مراكز البيانات، وإنما يطلب أيضًا معلومات عن استخدام المياه وتأثير المنشآت على البيئة المحلية والعالمية ومدى اعتمادها على مصادر كهرباء نظيفة، إلى جانب ما إذا كانت تستفيد من الحرارة الناتجة عن عمليات تشغيل الخوادم، وهي عناصر ستمنح الحكومات والمجتمعات المحلية صورة أوسع عن الكلفة البيئية للبنية التحتية الرقمية المتنامية.

واستندت البطاقة الجديدة إلى بيانات يُفترض أن الشركات مطالبة أصلًا بالإفصاح عنها بموجب قواعد كفاءة الطاقة الأوروبية، لكن المفوضية أقرت بأن الالتزام بهذه المتطلبات لا يزال منخفضًا، إذ لا تقدم سوى 36% من مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي البيانات المطلوبة، ما يعني أن تطبيق النظام سيحتاج في البداية إلى تحسين مستويات الإفصاح والتأكد من دقة الأرقام المستخدمة في تصنيف المنشآت، بينما ستظل المشاركة في النظام اختيارية بالنسبة إلى المراكز الأصغر.

معايير إلزامية

تخطط المفوضية الأوروبية لخطوة ثانية أكثر صرامة خلال ربيع 2027، عندما تقدم معايير أداء واستدامة دنيا لمراكز البيانات الجديدة أو التي تخضع لعمليات تحديث واسعة، وهو ما يعني انتقال السياسة الأوروبية من مجرد الكشف عن الأداء البيئي إلى وضع حدود إلزامية ينبغي على الشركات الالتزام بها، في مسعى لمنع التوسع في منشآت شديدة الاستهلاك للطاقة والمياه من دون مراعاة أهداف المناخ وأمن الإمدادات.

وأكد يورجنسن أن الاتحاد الأوروبي يريد خوض سباق الذكاء الاصطناعي من دون أن يؤدي توسع مراكز البيانات إلى الإضرار بشبكات الطاقة أو إضعاف القدرة التنافسية للقارة، مشيرًا إلى أن هذه المنشآت تستهلك بالفعل نحو 2.5% من إجمالي الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، وأن هذه النسبة مرشحة للتضاعف خلال السنوات المقبلة، ما يجعل المراكز الكبيرة من أبرز مصادر الزيادة المتوقعة في الطلب على الطاقة.

ضغط متزايد

واجهت خطط بروكسل اعتراضات من مشغلي مراكز البيانات وشركات التكنولوجيا، إذ حذرت الرابطة الأوروبية لمراكز البيانات في وقت سابق من أن المتطلبات الجديدة قد تضر بالاستثمارات، وطالبت بمنح طموحات الذكاء الاصطناعي أولوية أكبر من بعض الأهداف المناخية، في وقت أشارت فيه وثيقة للمفوضية إلى أن نحو 20% من مراكز البيانات الأوروبية قد تحصل على التصنيف الأدنى وفق النظام الجديد.

وأثار توسع الذكاء الاصطناعي بالفعل احتجاجات في عدد من المناطق بسبب استهلاكه المرتفع للكهرباء والمياه، وبدأت هذه الاعتراضات تظهر في أوروبا كما حدث في الولايات المتحدة، حيث تصاعدت الانتقادات تجاه إنشاء منشآت ضخمة في مناطق تعاني أصلًا ضغوطًا على شبكات الكهرباء أو إمدادات المياه، وهو ما دفع المفوضية إلى تقديم التصنيف الجديد أيضًا كوسيلة لمساعدة الشركات على كسب ثقة المجتمعات المحلية.

سباق الذكاء

حاول الاتحاد الأوروبي من خلال هذه السياسة تجنب الاختيار بين التوسع في الذكاء الاصطناعي والحفاظ على أجندته المناخية، إذ اعتبرت المفوضية أن مراكز البيانات باتت جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الرقمي، لكنها في الوقت نفسه تمثل مستهلكًا ضخمًا للطاقة، ما يتطلب ضبط نموها بحيث لا يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الوقود الأحفوري أو زيادة الضغوط على البنية التحتية الكهربائية.

وأشار يورجنسن إلى أن الهدف لا يتمثل في وقف الاستثمار في مراكز البيانات، بل في ضمان نمو القطاع بطريقة مستدامة، مؤكدًا أن أوروبا تريد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاستثمارات الجديدة، لكنها ستضع في المقابل متطلبات بيئية متزايدة على الشركات، بينما ستظل بعض القرارات، مثل إلزام المنشآت بتوفير جزء من احتياجاتها من الطاقة النظيفة، من اختصاص الحكومات الوطنية وليس قاعدة موحدة على مستوى الاتحاد.

قرار وطني

رفضت المفوضية فرض التزام أوروبي موحد على مراكز البيانات بإنتاج أو توفير الطاقة النظيفة التي تحتاج إليها، وترك يورجنسن هذا الخيار للحكومات الوطنية، في حين بدأت دول مثل إسبانيا بالفعل دراسة إجراءات تلزم المنشآت بتوفير حصة من احتياجاتها من الطاقة المتجددة، وهو ما يعكس اختلاف السياسات داخل الاتحاد رغم الاتفاق على ضرورة الحد من الأثر البيئي لقطاع الذكاء الاصطناعي.

وأبرز هذا النهج محاولة بروكسل الجمع بين قواعد موحدة للشفافية والحد الأدنى من الأداء، وبين ترك بعض القرارات للدول الأعضاء وفق أوضاعها الخاصة في مجال الطاقة والبنية التحتية، خصوصًا أن حجم الضغط الذي تسببه مراكز البيانات يختلف من دولة إلى أخرى، بينما تسعى الحكومات إلى جذب الاستثمارات الرقمية من دون تحميل المستهلكين أعباء إضافية بسبب ارتفاع الطلب على الكهرباء.

تكلفة التوسع

ربطت المفوضية الأوروبية مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي بقدرة القارة على إدارة الكلفة المتزايدة للبنية التحتية التي يعتمد عليها، إذ لا تقتصر المخاوف على الانبعاثات فقط، وإنما تمتد إلى استهلاك المياه والضغط على شبكات الكهرباء والطلب المتزايد على الطاقة، وهي عوامل يمكن أن تؤثر على أسعار الخدمات وقدرة الدول على تحقيق أهدافها الخاصة بخفض الانبعاثات.

وأوضحت البطاقة الجديدة أن تقييم مراكز البيانات لن يعتمد فقط على مدى كفاءتها في استهلاك الكهرباء، بل أيضًا على الطريقة التي تنتج بها هذه الكهرباء، وعلى كمية المياه المستخدمة، وعلى قدرتها على إعادة تدوير الحرارة الناتجة عنها، ما يعني أن الشركات ستواجه خلال السنوات المقبلة ضغوطًا متزايدة لتحسين أدائها في أكثر من مجال بيئي في الوقت نفسه، بدلًا من التركيز حصرًا على خفض استهلاك الكهرباء.