دعا الاتحاد الأوروبي كندا رسميًا إلى الانضمام إليه بصفة "عضو مشارك"، في خطوة وصفتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، بأنها تكشف عن عزم الحلفاء التقليديين لواشنطن على تمتين صفوفهم في مواجهة مرحلة جيوسياسية بالغة الاضطراب، غير أن هذا التقارب سرعان ما اصطدم بتحذير أمريكي مباشر، إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الاتحاد الأوروبي إذا مضى قدمًا في منح كندا هذه العضوية.
التحوط بديلًا عن المواجهة
حرصت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على التأكيد بأن هذه الشراكة "ليست ضد أحد، بل من أجل قوتنا المشتركة"، إلا أن التوقيت يحمل دلالة أعمق من الكلمات.
فوفقًا لما رصدته "نيويورك تايمز"، سعى المسؤولون الأوروبيون في الفترة التمهيدية للخطاب إلى طمأنة الرئيس دونالد ترامب بأن التقارب مع أوتاوا لا يُشكل موقفًا معاديًِا لواشنطن، غير أن إيان ليسر، الزميل في صندوق مارشال الألماني ببروكسل، أوضح للصحيفة أن الدافع الحقيقي هو "الرغبة في التحوط من علاقة باتت متوترة بشكل متصاعد مع الولايات المتحدة"، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة تبقى "الأهم جيواقتصاديًا وجيوسياسيًا" لكلا الطرفين.
وبالنسبة لرئيس وزراء كندا مارك كارني، جاءت الدعوة الأوروبية في توقيت بالغ الأهمية، إذ يخوض مواجهة مع ترامب الذي فرض تعريفات جمركية على كندا ولم يتوقف عن التلويح بالمساس بسيادتها، فوجد في برلين وباريس وبروكسل حليف متحمس يرى فيه مصدر موثوق للطاقة والمواد الخام الحيوية، ويتقاطع معه في عضوية الناتو ودعم أوكرانيا والتمسك بسيادة القانون.
وتبدو هذه الشراكة منطقية في سياق عالمي متقلب، إذ يضم الطرفان معًا أكثر من 490 مليون نسمة، وتُصنَف أربع من دولهم ضمن أكبر عشر اقتصادات في العالم.
لقب بلا سند قانوني
على الرغم من الزخم الدبلوماسي المحيط بالإعلان، كشفت "نيويورك تايمز" أن مصطلح "العضو المشارك" لا يستند إلى أي إطار قانوني قائم في منظومة الاتحاد الأوروبي، ما يجعل ما ينطوي عليه من التزامات أو مكتسبات ضبابيًا حتى الآن.
وقال مجتبى رحمن، المدير الإداري لمنطقة أوروبا في مجموعة أوراسيا، صراحةً إن الأمر "لا يعدو كونه رمزية وإشارة سياسية".
وقد استقبل عدد من الأعضاء الأوروبيين المصطلح بقلق واضح، لا سيما أنه يبدو مبهمًا وغير مرتبط بأطر تشريعية، وقد يُثير حساسيات الدول التي تربطها بالكتلة اتفاقيات تفصيلية محكمة كبريطانيا والنرويج وسويسرا، ناهيك عن الدول المرشحة للعضوية كألبانيا.
وعلى الجانب الكندي، لم يُبدِ المسؤولون ارتياح للمصطلح أيضًا، إذ توحي كلمة "عضوية" بتنازلات عن السيادة، وهو ما يتعارض جوهريًا مع ما تعهد به كارني، فاستغل زعيم المعارضة المحافظة ذلك ليؤكد أن كندا لن تكون الدولة الثامنة والعشرين في الاتحاد الأوروبي كما رفضت أن تكون الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة.
وبعد ساعات من الخطاب، أفادت "نيويورك تايمز" بأن السفير الكندي القادم لدى الاتحاد جوناثان ويلكينسون أشار إلى أن الأطراف لم تتفق بعد على الوصف الأنسب للعلاقة، مُبديًا تفضيله لعبارة "تحالف المستقبل" التي وردت هي الأخرى في خطاب فون دير لاين، فيما أشارت مصادر دبلوماسية أوروبية ثلاثة إلى أن لقب "العضو المشارك" قد لا يصمد في نهاية المطاف.
طموحات واسعة وعقبات شائكة
تتشعب ملفات الشراكة المرتقبة لتشمل مجالات بالغة الحساسية والتعقيد، وفقًا لما رصدته "نيويورك تايمز"، فعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والسيادة التقنية، يسعى كارني إلى بناء منظومات دفع وحوسبة سحابية مشتركة مع الاتحاد، بديلًا عن الهيمنة الأمريكية في هذا القطاع، كما تجري مفاوضات حول اتفاقية تجارة رقمية تعزز التعاون في الأمن السيبراني والتنسيق التنظيمي.
وعلى صعيد الطاقة، تُعد ملفات مواءمة اللوائح الكندية مع المعايير الأوروبية في رصد انبعاثات الميثان من سفن الغاز الطبيعي المسال وضبط واردات الغاز الداخلة إلى السوق الأوروبية من أكثر الملفات تقدمًا في المفاوضات، وهي شرط لا غنى عنه إذا أرادت كندا تصدير غازها إلى أوروبا.
أما على صعيد التمويل، فبنك الاستثمار الأوروبي الذي تتجاوز أصوله 630 مليار دولار يُبدي جاهزية تامة للاستثمار في المشاريع الكندية، لا سيما في قطاع المواد الخام الحيوية، وتتجه رئيسته إلى أوتاوا لإطلاق هذه المباحثات، في انتظار موافقة كندية على إجراءات إدارية تتعلق بصلاحيات الدبلوماسيين الأوروبيين.
وتبقى قضية حرية التنقل وإقامة المواطنين الكنديين في أوروبا والاعتراف بمؤهلاتهم المهنية وفرص الدراسة في الجامعات الأوروبية من أكثر الملفات إلحاحًا بالنسبة لأوتاوا، وإن كانت تصطدم بتعقيدات قانون الهجرة السياسية والمبدأ القائل بضرورة المعاملة بالمثل، ما يعني منح 450 مليون أوروبي الحقوق ذاتها في كندا.