بين أنقاض حرب لم تترك للنازحين سوى جدران مثقوبة وسقوف مهددة بالسقوط، بحثت عائلات فلسطينية في مدينة غزة عن مأوى يحميها من برد الليل وقسوة المطر، لكن المبنى الذي احتمت به انهار فوق رؤوسها، فتحول الملجأ الأخير إلى كومة من الركام، ووجدت فرق الإنقاذ نفسها تبحث بأيديها بين الحجارة عن أحياء ربما ما زالوا ينتظرون النجاة تحت الأنقاض.
انهار مبنى سكني متضرر جراء الحرب في مدينة غزة فجر الأربعاء، ما أسفر عن مقتل 12 فلسطينيًا على الأقل، بينهم أطفال، وإصابة 15 آخرين، بينما ظل عشرات الأشخاص عالقين أو مفقودين تحت الأنقاض، في حادث أعاد تسليط الضوء على الخطر الذي يهدد آلاف المباني المتضررة التي لجأت إليها أسر نازحة في ظل نقص أماكن الإيواء.
وأفاد رجال الإنقاذ والدفاع المدني بأن المبنى، الذي كان يؤوي أسرًا فلسطينية نازحة، تعرض لأضرار بالغة خلال الحرب، وكانت هناك تحذيرات سابقة بشأن سلامته، فيما واصلت فرق الإنقاذ البحث بين الركام باستخدام المعدات المتاحة، وسط صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحاصرين، بحسب رويترز وأسوشيتد برس.
مبنى منهار
وقال رائد الدهشان، مدير دائرة الدفاع المدني في مدينة غزة، إن ما لا يقل عن 10 عائلات كانت تقيم في المبنى المنهار، مضيفًا أن فرق الإنقاذ ما زالت تسمع أصواتًا من تحت الأنقاض، ما أبقى الأمل قائمًا في العثور على ناجين، بينما أظهرت مقاطع مصورة رجال الإنقاذ وهم يحاولون انتشال أشخاص من بين أجزاء الجدران المنهارة.
وأضافت فرق الإنقاذ أن المبنى كان مكونًا من عدة طوابق، وأنه تعرض للاستهداف خلال الحرب قبل أن ينهار بالكامل أثناء وجود العائلات بداخله، فيما لم يتضح على الفور السبب المباشر للانهيار، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالمباني والمنشآت في مختلف أنحاء قطاع غزة.
وأظهرت تسجيلات مصورة عمليات البحث بين الركام، فيما ظهر متحدث باسم الدفاع المدني في غزة وهو يحمل طفلة صغيرة ملفوفة بوشاح ملطخ بالدماء، بينما استمرت عمليات انتشال الضحايا والمصابين من موقع الحادث.
إنقاذ صعب
وقال أليساندرو مراكيتش، رئيس مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة، إن فرق إنقاذ تابعة لعدد من وكالات الأمم المتحدة شاركت في عمليات البحث، موضحًا أن المهمة كانت شديدة الصعوبة بسبب نقص المعدات والآليات المناسبة للتعامل مع حجم الركام.
وأشار مراكيتش إلى أن بعض الأشخاص اضطروا إلى الحفر بأيديهم بحثًا عن المحاصرين، محذرًا من احتمال سقوط المزيد من الضحايا، وقال إن نحو 400 مبنى معرضة لخطر الانهيار، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء والظروف الجوية التي يمكن أن تزيد من هشاشة المنشآت المتضررة.
وحمّل مسؤولون فلسطينيون وأمميون إسرائيل مسؤولية القيود التي حالت دون إدخال كميات كافية من المعدات الثقيلة إلى قطاع غزة، بينما تقول إسرائيل إن القيود تهدف إلى منع وصول المعدات إلى الجماعات المسلحة.
خطر متزايد
وكشفت الأمم المتحدة أن الحرب أدت إلى توليد نحو 61 مليون طن من الركام والأنقاض في قطاع غزة، وقد يستغرق التخلص منها سنوات، في وقت أصبحت فيه المباني المتضررة مصدر خطر متزايد على السكان الذين لا يجدون خيارات أخرى للسكن.
وقال الدهشان إن محدودية أماكن الإيواء دفعت بعض العائلات إلى الانتقال إلى المباني المتضررة، بعدما اعتقدت أنها توفر قدرًا من الحماية، لكن المبنى انهار بشكل مفاجئ فوق الأشخاص أثناء نومهم.
وأفادت عائلات فلسطينية لرويترز خلال الأشهر الماضية بأنها لجأت إلى الإقامة داخل مبانٍ متضررة جزئيًا بدلًا من الخيام، في محاولة لحماية نفسها من الرياح والأمطار، خصوصًا مع نقص الخيام الجديدة المخصصة للنازحين.
وأصبحت هذه المشكلة أكثر خطورة مع استمرار وجود آلاف الفلسطينيين في مبانٍ تضررت خلال الحرب، بينما لا تتوافر مساحات أو منشآت كافية لنقل جميع الأسر إلى أماكن أكثر أمانًا.
حصيلة الحرب
وتزامن انهيار المبنى مع استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، فيما أدى وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025، بدعم من الولايات المتحدة، إلى توقف القتال واسع النطاق، لكنه لم يمنع الضربات الإسرائيلية، كما لم يتحقق تقدم كبير نحو تسوية دائمة للصراع.
واتهمت حماس إسرائيل بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار وعرقلة تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأوسع لإنهاء الحرب في غزة، والتي تتضمن انسحاب إسرائيل من القطاع ونزع سلاح الحركة، بينما اتهمت إسرائيل حماس بانتهاك الاتفاق.
وأفاد مسؤولو الصحة في قطاع غزة بمقتل أكثر من 1300 فلسطيني، معظمهم من المدنيين، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بينما قال الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قتلوا خلال الفترة نفسها.
مبانٍ مهددة
وأعادت واقعة الانهيار إلى الواجهة المخاطر التي يواجهها النازحون الذين يعيشون داخل منشآت تضررت بفعل القصف، إذ حذر الدفاع المدني من الاقتراب من المباني المتضررة بسبب احتمالات انهيارها، بينما تواجه فرق الإنقاذ صعوبات في التعامل مع الركام بسبب نقص المعدات الثقيلة.
وأكد مسؤولون في غزة أن آلاف المباني تعرضت لأضرار متفاوتة، وأن بعضها لا يزال مأهولًا رغم المخاطر، بسبب غياب البدائل، فيما أشار مسؤولون أمميون إلى أن حجم الدمار يجعل عمليات إزالة الركام وتأمين المباني المتضررة تحديًا طويل الأمد.
وفي الوقت نفسه، استمرت فرق الإنقاذ في البحث عن أشخاص تحت أنقاض المبنى المنهار في مدينة غزة، بينما ظلت حصيلة الضحايا مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث وانتشال العالقين، في حادث يعكس المخاطر التي باتت تواجه الأسر النازحة حتى داخل المباني التي لجأت إليها بحثًا عن مأوى.