في مشهد يجسد مفارقة مؤلمة، بات الفلسطينيون في غزة يتسلحون بفواتير الكهرباء وإشعارات المخالفات البلدية وشهادات الجيران سلاحًا في معركة لا تقل ضراوة عن المعركة الميدانية، وهي معركة إثبات الملكية على أرض تحول معظمها إلى ركام، في هذا الصدد كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن تفاصيل هذه الملحمة اليومية التي يخوضها الفلسطينيون، في ظل تقارير عن مخططات لإعادة رسم خريطة القطاع سكانيًا وعمرانيًا.
أنقاض البيوت تطمر صكوك الملكية
من نافذة غرفته المستأجرة في خان يونس، يرى محمد الأغا كل يوم ركام ما كان بيته، منزل من أربعة طوابق شيده مع إخوته، أسقطه صاروخ إسرائيلي وطمر معه صك الملكية تحت الحجارة والغبار.
لكن الأغا لم يستسلم، وبعد عامين من المثابرة، تمكن من انتزاع وثيقة ممهورة من بلدية خان يونس، استُقيَت من سجلات رقمية لطلب تصريح بناء قديم، تُوثق رقم الأرشيف وحدود القطعة وأبعاد كل طابق، وقال لصحيفة فايننشال تايمز: "هذه الوثيقة تُثبت أن لنا حقًا في هذا المكان".
حالة الأغا تعكس واقعًا يعيشه مئات الآلاف، إذ نزح أكثر من 1.9 مليون شخص من أصل أكثر من مليوني نسمة في غزة، تاركين خلفهم عقودهم وصكوكهم، فيما لجأ كثيرون إلى الفرار دون أن يكونوا قد امتلكوا توثيقًا رسميًا أصلًا.
وقد سوت قوات الاحتلال الإسرائيلي أحياءً بأكملها حتى باتت لا يعرفها أهلها أنفسهم حين يحاولون تحديد مواقع منازلهم.
سباق مع الزمن والرصاص
في هذا الواقع المتقلب، يُحذر محمد السقا، المحامي في المركز الفلسطيني للتنمية المجتمعية والإعلام بغزة، من أن الوقت ينفد، كما قال لفايننشال تايمز: "الخدمات البيروقراطية الجزئية المتاحة اليوم قد تختفي غدًا، والمحامي الذي يحتفظ بعقد بيعك موجود الآن وقد يُقتل في الغد". ويرى السقا أن ما يجري اليوم امتداد لمسيرة طويلة من التمسك بالحقوق، مستحضرًا صورة الأجداد الذين احتفظوا بمفاتيح منازل هُجِّروا منها عام 1948 رمزًا لحق العودة، قائلًا: "نحن بحاجة إلى إثبات حقنا في هذه الأرض، لأن الأمور قد تتغير بشكل جذري — ثمة خشية من الترحيل القسري وضم المناطق الشرقية بصورة دائمة".
هذه المخاوف ليست مجردة، إذ إن قوات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على أكثر من نصف أراضي غزة، فيما تتداول مصادر مطلعة تحدثت معها فايننشال تايمز عن تفاصيل اجتماعات جرت في مركز التنسيق المدني-العسكري الذي أسسته الولايات المتحدة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
وكشف هؤلاء أن المخططين أبدوا دهشة واضحة حين أُبلغوا بضرورة مراعاة حقوق الملكية الفلسطينية قبل الشروع في أي إنشاءات على أرض غزة.
وقد اطلعت الصحيفة على خريطة هندسية أمريكية استُخدمت في المركز أواخر 2025، تُظهر "مجمعًا سكنيًا مؤقتًا" ومناطق أمريكية مخططًا لها تمتد على أراضٍ عامة وخاصة وأخرى غير مصنفة في رفح الفلسطينية.
متاهة السجلات المفقودة وفن جمع الأدلة
يُعَد النظام العقاري في غزة من أعقد المنظومات في المنطقة، وهو إرث مُتشعِّب من الحقب العثمانية والمصرية والبريطانية المتعاقبة، إذ إن بعض الأراضي لا تزال مسجلة باسم المحافظ العسكري المصري، وأخرى تُسدَّد أقساطها وفق عقود تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث العقارات الخاصة غير مُسجَّل أصلًا لدى دائرة الأراضي المعروفة بـ"الطابو".
وبعد تدمير مقر الدائرة بالقصف وإحراق النازحين لبعض وثائقها الأصلية للتدفئة والطهي، بات الأمل معقودًا على نسخة رقمية كاملة أتمت الدائرة مسحها قبل سبعة أشهر فقط من اندلاع الحرب، وفق ما أكده رئيسها عماد الباز، مشيرًا إلى عودة عدد من موظفيها للعمل في يناير الماضي وتمكن عملاء من الحصول على نسخ من صكوكهم منذ ذلك الحين.
في غياب الوثائق المباشرة، يلجأ المحامون إلى ما يصفه المحامي نضال جرادة من جامعة الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بغزة بـ"كوكبة الأدلة"، إذ تُجمَع شهادات الجيران وأحكام المحاكم القديمة وصور العقارات وفواتير الخدمات في ملف واحد يُشكِّل قضية متكاملة.
وتكشف سماح محيسن من الجامعة ذاتها أن البرنامج القانوني يسعى في نهاية المطاف إلى إنشاء سجل قانوني شامل حتى لمن لم يحملوا توثيقًا رسميًا في أي وقت مضى.
مفتاح بيت جباليا لن يعود
في مخيم جباليا، تتشابك خيوط الماضي والحاضر في قصة ميسرة دانيال البالغ من العمر 38 عامًا، إذ هُجِّرَت عائلته من قرية يبنا شمالًا عام 1948، ولا يزال مفتاح البيت القديم مُحتفَظًا به، أو ربما هو مدفون الآن تحت ركام شقته المُدمَّرة التي كانت تبلغ مساحتها 140 مترًا مربعًا في جباليا، المنطقة الواقعة تحت سيطرة الاحتلال.
يعرف دانيال نظريًا كيف يُثبَت الحق في مخيمات اللاجئين عبر فواتير الخدمات وشهادات اللجان الشعبية، لكنه لا يملك حتى هاتفًا ذكيًا، والأهم أنه يشكك في جدوى أي توثيق في ظل الوقائع على الأرض.
وينهي دانيال حديثه مع فايننشال تايمز بعبارة تختزل مأساة شعب بأكمله: "إسرائيل تعرف أن هذا ليس بيتها لكنها تأخذه بالقوة على أي حال — تأكل وتأكل وتأكل وتأخذ كل شيء".