الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

انعكاسات ممتدة.. ماذا يحدث في النيجر؟

  • مشاركة :
post-title
الأحداث في النيجر

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 30 أغسطس 2026، شهدت العاصمة النيجرية نيامي تحركًا عسكريًا مسلحًا، بدأ من القاعدة الجوية 101، وهي إحدى أكثر المنشآت العسكرية حساسية في البلاد قبل أن تمتد المواجهات إلى محيط القصر الرئاسي وعدد من المواقع الحيوية في العاصمة، وتَمكَّن الحرس الرئاسي والقوات الموالية للسلطات من احتواء التحرك واستعادة السيطرة على المواقع التي سيطر عليها المتمردون، بعد ساعات من الاشتباكات وإطلاق النار، فيما فرضت السلطات طوقًا أمنيًا مُشدَّدًا على العاصمة ونشرت تعزيزات حول القصر الرئاسي والمرافق الإستراتيجية. وتأتي هذه التطورات بعد ثلاثة أعوام من وصول المجلس العسكري إلى السلطة، في التوتر السياسي الحادث في يوليو 2023، في وقت تحاول فيه القيادة العسكرية تثبيت أركان حكمها وإعادة بناء المنظومة الأمنية للبلاد بعيدًا عن الشراكة العسكرية التقليدية مع فرنسا والقوى الغربية، مقابل توسيع التعاون مع روسيا وتحالف دول الساحل الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو. وتكتسب محاولة التمرد أهمية خاصة؛ لأنها وقعت داخل المؤسسة العسكرية نفسها التي يعتمد عليها المجلس العسكري بصورة أساسية في إدارة البلاد ومواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة، وفي مقدمتها هجمات الجماعات المرتبطة بتنظيمَي القاعدة وداعش في المناطق الحدودية والنائية.

تأسيسًا على ما تَقَدَّم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ماذا يحدث في النيجر؟

ضغوط الداخل

تكشف محاولة التمرد العسكري في النيجر عن مجموعة من الضغوط المتراكمة، بما يجعل الأزمة أكبر من مجرد تحرك محدود لمجموعة من الجنود، فنجد:

(*) هشاشة التماسُك العسكري: تتمثل أبرز دلالات الأزمة في أن التحدي جاء من داخل المؤسسة التي يستند إليها المجلس العسكري في إدارة البلاد منذ التوتر السياسي في يوليو 2023، فتَمكُّن جنود من احتجاز بعض رفاقهم والسيطرة على أجزاء من قاعدة عسكرية إستراتيجية، ثم محاولة الاقتراب من القصر الرئاسي، يشير إلى وجود ثغرات أمنية وتنظيمية داخل المؤسسة نفسها. ورغم أن القوات الموالية للسلطة نجحت في إحباط التحرك، فإن الحدث يكشف أن السيطرة السياسية للمجلس العسكري لا تعني بالضرورة وجود إجماع كامل داخل الجيش على طريقة إدارة المرحلة الانتقالية.

(*) الحرب على الإرهاب: يرتبط أحد أهم أسباب التوتر المحتملة داخل الجيش بطبيعة المواجهة المستمرة مع الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمَي القاعدة وداعش، فالجنود المنتشرون في المناطق الحدودية والنائية يواجهون ظروفًا قتالية شديدة الصعوبة، بينما لا تزال الهجمات المسلحة تُشكِّل تحديًا كبيرًا للدولة رغم التغييرات التي أجراها المجلس العسكري في الشراكات الأمنية. وإذا استمرت الخسائر البشرية دون تحقيق تحسن واضح في الوضع الأمني، فقد تتزايد حالة الإحباط داخل القوات المسلحة خصوصًا بين الوحدات التي تتحمل العبء الأكبر من العمليات.

(*) الأوضاع الاقتصادية للجنود: تتداخل الضغوط الأمنية مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها النيجر، فالنيجر من أكثر الدول الإفريقية تعرُّضًا لتداعيات الأزمات السياسية والأمنية. وتشير المعطيات المتداولة إلى تذمُّر بعض الجنود من تأخر الرواتب وتدهور ظروف المعيشة، وهي عوامل يمكن أن تتحول إلى مصدر توتر داخل مؤسسة عسكرية تتحمل أعباء القتال المستمر. كما أن تراجُع الموارد يحد من قدرة الدولة على توفير المعدات والإمدادات والخدمات اللازمة للقوات المنتشرة في مناطق بعيدة، ما يزيد الفجوة بين احتياجات الميدان وقدرات الدولة.

(*) إعادة ترتيب السلطة الأمنية: من المرجح أن تفرض الأزمة على القيادة النيجرية إعادة ترتيب منظومتها الأمنية والعسكرية، ليس فقط لملاحقة المشاركين في التمرد، وإنما لتحديد مكامن الخلل التي سمحت لهم بالتحرك والوصول إلى مواقع حساسة. وقد تشمل الإجراءات تشديد الحماية حول القصر الرئاسي والمنشآت العسكرية، وإعادة توزيع القوات، وتعزيز أجهزة الاستخبارات العسكرية، إلى جانب مراجعة آليات اختيار القيادات. لكن نجاح هذه الإجراءات سيظل مرتبطًا بقدرة السلطة على تحقيق توازن بين فرض الانضباط ومنع التمرد من جهة، والحفاظ على ثقة الجنود ورفع معنوياتهم من جهة أخرى.

انعكاسات متعددة

تتجاوز تداعيات محاولة التمرد حدود الأزمة الداخلية، لتضع التحالفات الإقليمية والدولية للنيجر أمام اختبار مهم. حيث:

(*) تعزيز الدور الروسي: يبرز التدخل الروسي باعتباره أحد أهم نتائج الأزمة، بعدما أفادت المعطيات بمشاركة عناصر من الفيلق الإفريقي في دعم القوات الموالية للسلطات واستعادة السيطرة على القاعدة الجوية 101. وتكتسب هذه المشاركة أهمية لأنها تأتي في منشأة إستراتيجية تتمركز فيها القوات الروسية، ما يعكس تطورًا في طبيعة التعاون بين موسكو ونيامي من مجرد شراكة عسكرية إلى دور أكثر ارتباطًا بأمن النظام. وقد يدفع نجاح القوات الروسية في مساعدة السلطات إلى زيادة اعتماد المجلس العسكري على موسكو في مجالات التدريب والاستخبارات وحماية المنشآت الحيوية، كما يمنح روسيا ورقة نفوذ إضافية داخل النيجر ومنطقة الساحل.

(*) اختبار تحالف دول الساحل: شكَّلت محاولة التمرد اختبارًا عمليًا لتماسُك تحالف دول الساحل الذي يجمع النيجر ومالي وبوركينا فاسو، فإعلان التحالف دعمه للسلطات النيجرية ورفضه لمحاولة زعزعة الاستقرار يعكس إدراك الدول الثلاث أن أي اضطراب داخل إحدى دول التحالف يمكن أن يمتد تأثيره إلى البقية. ويستند التحالف إلى تقارب سياسي وأمني بين الأنظمة العسكرية الحاكمة، ولذلك فإن نجاح انقلاب جديد في إحدى الدول الثلاث كان سيضعف النموذج الذي يسعى التحالف إلى ترسيخه. ومن المتوقع أن تدفع الأزمة الأعضاء إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمني، وربما تطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل مع أي تهديدات داخلية مستقبلية.

(*) تراجُع النفوذ الغربي: قد تؤدي الأزمة إلى ترسيخ التحول في خريطة النفوذ الدولي داخل النيجر، خاصة إذا نجحت السلطات في تقديم الدعم الروسي باعتباره عاملًا حاسمًا في إحباط التمرد. فبعد انسحاب القوات الفرنسية والقوى الغربية من البلاد، أصبحت نيامي أكثر اعتمادًا على شركاء غير غربيين وعلى رأسهم روسيا. ومن شأن نجاح موسكو في مساعدة السلطات خلال أزمة داخلية حساسة أن يعزز الرواية التي تتبناها القيادة النيجرية بشأن قدرتها على حماية البلاد بعيدًا عن التدخل الغربي. وفي المقابل، قد تجد الدول الغربية نفسها أمام مساحة نفوذ أضيق في منطقة الساحل، خصوصًا مع توسع التعاون الروسي مع النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

ختامًا؛ قد تتحول محاولة التمرد إلى نقطة مفصلية في مسار التحالفات داخل منطقة الساحل. فإذا نجح المجلس العسكري في احتواء آثار الأزمة وتحسين أداء مؤسسات الدولة، فقد تخرج النيجر من الأزمة بمزيد من التقارب مع روسيا وتحالف دول الساحل. أما إذا استمرت الانقسامات داخل الجيش وتكررت التحركات المناهضة للسلطة، فقد تتحول الأزمة إلى عامل ضغط على التحالف نفسه، وتمنح الجماعات المسلحة والقوى المنافسة فرصة لاستغلال حالة عدم الاستقرار. وبالتالي، فإن مستقبل النيجر لن يتحدد فقط بقدرتها على إحباط التمرد، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الاحتواء العسكري إلى استقرار سياسي وأمني أكثر استدامة.