كشف تحليل جديد لمرصد الطاقة العالمي، تحولًا لافتًا في سباق بناء محطات توليد الكهرباء بالغاز بين الولايات المتحدة والصين، إذ تجاوزت واشنطن بكين في إضافة قدرات جديدة مدفوعة بالطلب المتزايد على الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.
انقلاب المشهد
وحسب صحيفة "ذا جارديان" البريطانية، فإن الولايات المتحدة تبني حاليًا ضعف قدرة الصين من محطات توليد الكهرباء بالغاز، في تحول يأتي بعد عقود تصدرت خلالها الصين هذا المجال، بينما تتزايد المخاوف من الانبعاثات والتلوث واستهلاك المياه المرتبط بمراكز البيانات الجديدة.
وفقًا لتحليل مرصد الطاقة العالمي، شهدت الولايات المتحدة خلال النصف الأول من العام زيادة بنسبة 76% في مشاريع محطات الغاز قيد الإنشاء، لتصبح الدولة التي تبني أكبر قدر من هذه القدرات الجديدة على مستوى العالم.
وخلال عقود، أدى النمو الاقتصادي السريع للصين إلى تفوقها على الولايات المتحدة في إضافة قدرات توليد الكهرباء بالغاز، لكن "الجنون" الأخير في بناء مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عكس هذا الاتجاه، وفق تقرير مرصد الطاقة العالمي.
وتبني الولايات المتحدة الآن ضعف قدرة الصين من محطات توليد الكهرباء بالغاز، بينما تقترب قدراتها من ثلاثة أضعاف ما تبنيه الصين عند احتساب المشاريع المعلنة وتلك التي لا تزال قيد الإنشاء، لتصبح بذلك في مقدمة القوى الاقتصادية العالمية في هذا المجال.
قفزة أمريكية
منذ يناير، ارتفعت قدرة توليد الكهرباء بالغاز قيد التطوير في الولايات المتحدة بنسبة 50%، من 252 جيجاواط إلى 378 جيجاواط، وهو ما يعادل ثلث إجمالي القدرات قيد التطوير عالميًا، وفق بيانات مؤسسة مرصد الطاقة العالمي.
وإذا اكتملت جميع المشاريع، فإن الولايات المتحدة ستزيد أسطول محطات الغاز لديها بنحو الثلثين، مع تجاوز التكلفة الرأسمالية الإجمالية 647 مليار دولار، بحسب المؤسسة، التي رصدت توسعًا سريعًا في خطط بناء المحطات الجديدة.
وترتبط نحو نصف القدرة الجديدة مباشرة بالزيادة المتوقعة في عدد مراكز البيانات، التي تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء لتلبية الطلب الناتج عن الذكاء الاصطناعي، ويهدد الاعتماد على الغاز بدلًا من الطاقة المتجددة بزيادة انبعاثات الطاقة الأمريكية بنسبة تصل إلى 20%، وفق أحد التقديرات.
كلفة مناخية
قالت جيني مارتوس، مديرة مشروع في منظمة مراقبة الطاقة العالمية، إن الصين كانت قبل ستة أشهر تمتلك عددًا أكبر من محطات الغاز قيد الإنشاء، لكن الوضع انقلب الآن، في تحول يعكس سرعة التوسع الأمريكي في هذا القطاع.
وشهد العام الماضي ارتفاعًا كبيرًا في مقترحات إنشاء مراكز بيانات تعمل بالغاز، فيما حذرت مارتوس من تداعيات مناخية واسعة، وبحسبها، فإن بناء هذه المراكز سيؤدي إلى عقود من التلوث، فضلًا عن الاعتماد على أسعار وقود متقلبة تُحمّل تكلفتها على دافعي الضرائب.
ويُعد الغاز وقودًا أحفوريًا يسهم في ارتفاع حرارة الكوكب، ويثير استخدامه لتشغيل العدد المتزايد من مراكز البيانات مخاوف بشأن ارتفاع الانبعاثات، خصوصًا مع التوسع السريع في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.
سباق الطاقة
كرر دونالد ترامب ومسؤولون آخرون في إدارته القول إن الصين، أكبر ملوث للكربون في العالم، توسع اعتمادها على الوقود الأحفوري، وإن أي خفض أمريكي للانبعاثات سيكون عديم الجدوى، وقال ترامب عن الصين: "هواءهم ملوث، وينتقل إلينا".
لكن توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، إلى جانب إلغاء إدارة ترامب للوائح البيئية وتسارع الصين في استخدام الطاقة النظيفة، يغير هذه المعادلة، إذ توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز الإنفاق الأمريكي على محطات الفحم والغاز، الإنفاق الصيني لأول مرة منذ عقود.
وساهم تنافس شركات التكنولوجيا، ومنها "جوجل" و"أوبن إيه آي" و"أمازون" على بناء مراكز البيانات في تراكم الطلب على توربينات الغاز الأكثر كفاءة المستخدمة في محطات الكهرباء، ودفع ذلك شركات عدة، بينها شركة "إكس إيه آي" التابعة لإيلون ماسك، إلى استخدام توربينات أصغر وأقل كفاءة وأكثر تلويثًا.
وفي يوليو، أصبحت نيويورك أول ولاية تفرض حظرًا مؤقتًا على إصدار تراخيص بناء مراكز البيانات الضخمة الجديدة. وقد تضر هذه المعارضة بالجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، رغم استمرار إدارة ترامب في دعم التوسع.
وقال ترامب هذا الشهر إن "مراكز البيانات قد تكون أكبر من النفط"، داعيًا حكام الولايات إلى خفض الضرائب لتشجيع إقامتها، وقال في تصريحات منفصلة لمحاميه السابق مايكل كوهين الأسبوع الماضي: "بصراحة، المجتمعات التي لا تقبل بمركز بيانات ترتكب خطأً لأن هناك الكثير من المجتمعات التي تريدها".
وأضاف ترامب أن مراكز البيانات تعني توفير فرص عمل، كما تعني "عائدات ضريبية هائلة" تدخل إلى المدن والبلدات التي تستضيفها، في وقت تتصاعد فيه المعارضة المحلية بسبب آثارها على الطاقة والمياه والبيئة.