يُثير استمرار الحرب في الشرق الأوسط، لما يقرب من خمسة أشهر، مزيدًا من التعقيد لموسم سنوي صعب بالفعل في أوروبا، وهو تخزين الطاقة لأشهر الشتاء الباردة. وفي الوقت نفسه، تشير صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز الطبيعي، التي تستخدمها المنازل والشركات على نطاق واسع لتشغيل الغلايات والأفران، لا تتجاوز 54%.
ويُعد هذا ثاني أدنى مستوى لنسبة امتلاء مرافق التخزين الأوروبية في فصل الصيف منذ عام 2011، وأدنى مستوى لها في شهر يوليو منذ عام 2021، عندما كانت شركة الطاقة الروسية المملوكة للدولة تُقيد إمدادات الغاز إلى أوروبا.
وفي الوقت نفسه، أدت الغارات الجوية المتواصلة من جانب الولايات المتحدة، والرد الإيراني، والحصار الفعلي لمضيق هرمز، إلى تباطؤ شحنات الطاقة الخارجة من الخليج العربي. وقد زاد ذلك من تعقيد الجهود المبذولة في أوروبا لإعادة ملء المخزونات.
وينقل التقرير عن كريس أيلت، الباحث في مركز البيئة والمجتمع بـ"تشاتام هاوس" في لندن، قوله: "إنه وضع مقلق للغاية". وأضاف: "عندما تنظر إلى الوضع في هرمز، لا يمكنك أن تتخيل كيف سيتم حل هذه المشكلة".
ويرى خبراء أن النتيجة المحتملة بالنسبة لأوروبا لن تكون نقصًا حادًا في الغاز، بل إن محدودية الإمدادات ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
تذبذب المخزون
فعليًا، أغلقت إيران مضيق هرمز منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما في 28 فبراير. ولا تزال الظروف بالنسبة لناقلات النفط في المنطقة محفوفة بالمخاطر، وقد خلّفت الأضرار الإيرانية التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في قطر، وهي منتج رئيسي، ندوباً دائمة على إمدادات الغاز الطبيعي في العالم.
ارتفع سعر الجملة للغاز الطبيعي الأوروبي في يونيو إلى 60 يورو لكل ميجاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى له منذ بدء الحرب مع إيران، واستمر في التذبذب حول هذا المستوى. وتنقل "نيويورك تايمز" عن محللين إنه في حال عدم التوصل إلى حل دائم للحرب، ستضطر أوروبا إلى الاستمرار في دفع أسعار أعلى لملء مستودعات الغاز الطبيعي، وهي تكاليف ستنعكس على فواتير الخدمات.
قبل الحرب، كان نحو خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم يتدفق عبر المضيق، بشكل رئيسي من قطر. أما الآن، فلا يصل إلى الأسواق إلا القليل من هذا الغاز. وهو ما حذر منه فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، في التقرير الشهري للمنظمة عن النفط الصادر في 21 يوليو "سيشعر جميع مستوردي الغاز الطبيعي المسال بهذا الأمر، بما في ذلك أوروبا التي تتطلع إلى إعادة ملء مخزونها من الغاز لفصل الشتاء المقبل".
وقد أصبح تأمين احتياطيات الغاز تحديًا بالغ الأهمية لأوروبا في السنوات الأخيرة. فبعد الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، استبدل الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال، المستورد في معظمه من الولايات المتحدة.
وللحفاظ على استقرار الطاقة، يفرض الاتحاد الأوروبي لوائح موسمية تلزم الدول الأعضاء بالوفاء بمعايير التخزين على مدار العام. لكن بحلول شهر نوفمبر، أي قبل بضعة أشهر من الحرب في إيران، كان متوسط تخزين الغاز في جميع أنحاء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يتراوح بين 75% و80% وهو أقل من الهدف البالغ 90% في ذلك الوقت.
آثار أخرى
بينما تواجه أوروبا اضطرابات في الإمدادات نتيجة الحرب في إيران، فإنها تعاني أيضاً من الآثار المكلفة لتغير المناخ. وقد برز هذا التحدي بشكل خاص هذا العام، حيث أدت موجات الحر الخطيرة التي تجتاح القارة، والتي تغذيها ارتفاع درجات الحرارة العالمية، إلى زيادة الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف.
في فرنسا، أجبرت الحرارة بعض المفاعلات النووية على الحد من الإنتاج، ما يعني زيادة الاعتماد على محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز. وذلك في الوقت الذي تتنافس أوروبا مع آسيا على الغاز، حيث تؤدي درجات الحرارة الأعلى من المعدل الطبيعي إلى زيادة الطلب.
ويُستهلك معظم الغاز في أوروبا خلال فصل الشتاء. لذا تسعى الدول إلى الحفاظ على مستويات تخزين عالية خلال أشهر الصيف لتجنب دفع أسعار الذروة في الأشهر الأبرد.
وقامت المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، بتخفيف قواعد التخزين هذا العام، مما يسمح للدول باستهداف ما لا يقل عن 80% من السعة بحلول أوائل نوفمبر في ظل ظروف السوق الصعبة. لكن، يشعر بعض الخبراء ومسؤولي الصناعة بالقلق من أن أوروبا لن تتمكن من تلبية الحد الأدنى المطلوب.
مع ذلك، لا يواجه القارة خطر نفاد الغاز، وفقًا لفريق عمل اتحاد الطاقة، وهو تحالف يضم دولًا أوروبية وأعضاء في المفوضية الأوروبية يتولى تنسيق سياسات الطاقة. فأسعار الغاز الطبيعي "أقل بكثير" من مستويات عام 2022.
ومن العوامل الأخرى التي تُزيد من إلحاحية ملء الاحتياطيات، الانخفاض المتوقع في إمدادات الغاز الأوروبية بنحو 12%. ففي غضون أقل من ستة أشهر، ستضطر الدول الأوروبية بموجب القانون إلى وقف استيراد الغاز الروسي المسال، مما يزيد الحاجة إلى استيراد المزيد من الشحنات من الولايات المتحدة ودول أخرى.