قبل نحو نصف قرن، كانت إيران أحد العوامل الرئيسية وراء الهزيمة الانتخابية للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. واليوم، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام مأزق مشابه، بعدما فشلت إدارته في التوصل إلى حل يفضى إلى نهاية الحرب، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وتستعيد المقارنة بين ترامب وكارتر ذكريات أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979، التي امتدت 444 يومًا وانتهت بالإفراج عن الرهائن بعد دقائق من تنصيب رونالد ريجان رئيسًا للولايات المتحدة في يناير 1981. وكان فشل عملية عسكرية لتحريرهم في أبريل 1980، التي أسفرت عن مقتل 8 عسكريين أمريكيين، من أكثر اللحظات التي طاردت كارتر خلال حملته الانتخابية.
وبعد سنوات، قال كارتر إن أكثر ما ندم عليه خلال رئاسته كان عدم إرسال عدد أكبر من المروحيات لتنفيذ عملية الإنقاذ. واليوم، يرى محللون أن شبح تلك التجربة قد يطل مجددًا على البيت الأبيض، مع تعثر مساعي ترامب لإنهاء الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير الماضي.
حرب بلا نهاية
وبحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية، كان ترامب يراهن على إنهاء سريع للصراع، لكن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في يونيو الماضي انهار، بينما لا تزال إيران تفرض سيطرتها على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا.
وأدى استمرار الأزمة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط التضخمية وتكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية الحرب، وإلى اعتقاد غالبية من الأمريكيين بأن أوضاعهم الاقتصادية أصبحت أسوأ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية سياسية خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، التي يسعى فيها الجمهوريون إلى الحفاظ على سيطرتهم على الكونجرس.
وأمام تعثر الحرب، يبدو أن ترامب يتحرك بين ثلاثة مسارات أولًا محاولة إقناع الأمريكيين بأن تكلفة الحرب ضرورية، وثانيًا التقليل من آثارها الاقتصادية، وثالثًا اللجوء إلى التهديد عندما تتعقد الخيارات السياسية والعسكرية، بحسب "الجارديان".
ففي خطاب ألقاه في نيويورك، قلل الرئيس الأمريكي من تأثير الحرب على أسعار الوقود، معتبرًا أن دفع الأمريكيين أسعارًا أعلى قليلًا للطاقة يبقى مقبولا مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وفي تصريحات أخرى، صعّد ترامب لهجته تجاه الدول التي قد تعرقل جهود إنهاء الصراع، مهددًا باتخاذ إجراءات قاسية ضد أي جهة تقدم دعمًا لإيران. كما أعلن أن الولايات المتحدة ستلجأ إلى ما وصفه بـ "حرب اقتصادية وعزلة" على نطاق غير مسبوق.
لكن هذا التصعيد لم يقدم حتى الآن مخرجًا واضحًا من الأزمة، بل يعكس، وفق محللين، ضيق هامش الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأمريكية.
رهان على الانتخابات
في المقابل، تبدو القيادة الإيرانية عازمة على استثمار الضغوط السياسية التي تواجه ترامب قبل انتخابات نوفمبر. إذ يرى خبراء في الشأن الإيراني تحدثوا للصحيفة البريطانية، أن طهران لا تريد منح الرئيس الأمريكي فرصة لإعلان النصر وإنهاء الحرب سياسيًا، بل تسعى إلى إبقاء الصراع حاضرًا في المشهد الأمريكي، خاصة إذا استمرت تداعياته على أسعار الطاقة والاقتصاد.
ويقول محللون إن إيران قد تحاول زيادة الضغط على القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة إذا لم تستأنف التفاهمات السابقة، بما يجعل الحرب أكثر حضورًا في الإعلام الأمريكي ويصعب على ترامب تجاوزها أو وضعها في الخلفية خلال الحملة الانتخابية.
كما شهدت القيادة الإيرانية تغييرات عززت حضور شخصيات أكثر تشددًا في مؤسسات أمنية وسياسية رئيسية، في مؤشر على استعداد طهران للتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مواجهة طويلة الأمد.
إلى جانب البُعد العسكري، يمثل الاقتصاد أحد أخطر الملفات التي يمكن أن تهدد موقف ترامب السياسي. فاستمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد بإبقاء أسعار النفط مرتفعة، وهو ما ينعكس على البنزين والنقل وسلاسل الإمداد وأسعار السلع، وفقًا لما أوردته صحيفة "الجارديان".
وتزداد المخاطر مع ارتفاع أسعار الديزل، الذي يمثل عنصرًا أساسيًا في حركة الشحن والنقل والإمدادات. ويرى خبراء أن استمرار ارتفاع تكلفة الطاقة قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة قبل الانتخابات، وهو سيناريو قد يزيد غضب الناخبين ويمنح الديمقراطيين ورقة سياسية قوية.