الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تفوق عسكري وفشل إستراتيجي.. الولايات المتحدة تتعلم دروسا خاطئة في إيران

  • مشاركة :
post-title
المدمرة الأمريكية "فرانك بيترسن جونيور" تطلق صاروخا على إيران

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

رغم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز لم ينتهِ بعد، إلا أن المحللين يسارعون إلى استخلاص الدروس منه، حيث يسلط البعض في مجال السياسة الأمنية الضوء على أوجه القصور اللوجستية والتكتيكية المتعددة للعملية الأمريكية ضد إيران.

ومن أوجه القصور تلك عدم الاستعداد لمواجهة اضطرابات شحن النفط والأسمدة، ونقص مخزون الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، والفشل العام في الاستعداد الفعّال لمواجهة طائرات الهجوم المُسيّرة الرخيصة أحادية الاتجاه، ونقص كاسحات الألغام، وغير ذلك.

يلفت تحليل لمجلة "فورين بوليسي"، إلى أن "هذه دروس مُفيدة وقد تساعد الولايات المتحدة على الاستعداد للصراعات المستقبلية، لكنها ليست السبب الجوهري لفشل البلاد في مضيق هرمز".

يقول: "حتى لو تمّت معالجة بعض هذه المخاوف أو كلها قبل الصراع بفترة طويلة، فمن الصعب تَصوُّر كيف يمكن أن تُغيّر هذه المعالجة فشل إدارة ترامب في تحقيق أهدافها الحربية الأولية المتمثلة في تغيير النظام، وتدمير قدرة إيران على توجيه ضربات بعيدة المدى، أو إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الإيرانية تجاه الأسلحة النووية والوكلاء الإقليميين".

يشير التحليل إلى أنه رغم أن زيادة مخزون الذخيرة والاستعداد لنقص النفط كان من الممكن أن يُتيح حملة قصف أطول أو ضغطًا اقتصاديًا أكبر، فإن ذلك لا يُبرر افتراض أن سبعة أشهر من القصف أو الحصار ستُحقق ما عجزت عنه ستة أشهر تقريبًا حتى الآن.

تخطيط سيئ

يبدو الفشل الإستراتيجي الأمريكي، الذي يمنح إيران حرية أكبر في السعي وراء طموحاتها النووية، وسيطرة أكبر على مضيق هرمز، هو النتيجة الأرجح لهذه الهزيمة العسكرية.

في الوقت نفسه، لا يزال الجيش الأمريكي يتمتع بقدرات ملحوظة، حيث أظهر حتى في هذه الحرب سيئة التخطيط قدرات تقنية لا يستطيع أي جيش آخر مجاراتها حاليًا، إذ قام بنشر قوة عسكرية على بعد أكثر من 7000 ميل من الشواطئ الأمريكية، وسيطر على سماء إيران بسهولة ظاهرة.

هكذا، كانت الخسائر الناتجة غير متكافئة بشكل ملحوظ، حيث تكبّدت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 18 قتيلًا وأكثر من 600 جريح، في حين أن الخسائر الإيرانية تكاد تصل إلى الآلاف، على الرغم من عدم معرفة العدد الإجمالي بدقة.

باختصار، حتى مع وجود إخفاقات في التخطيط والإمداد، أثبت الجيش الأمريكي أنه لا يزال يُشكِّل خطرًا كبيرًا. لكن مهما بلغت براعة التقنية، فلن تُعوِّض العجز الإستراتيجي المُتمثِّل في مطالبة الجيش بإنجاز المستحيل.

يلفت التحليل إلى أن الرئيس الأمريكي "طالب الجيش ليس بمهمة مستحيلة واحدة، بل عدة مستحيلات، ثم أبدى غضبًا شديدًا عندما فشل".

كان أول هذه المهام المستحيلة، هو الهدف المُعلَن للإدارة المُتمثِّل في تغيير النظام دون أي عمليات برية. ولطالما كان تحقيق نصر إستراتيجي بالاعتماد كليًا على القوة الجوية هدفًا مرغوبًا فيه للقوات الجوية المستقلة حول العالم.

وكانت فرضية إمكانية كسب الحروب جوًا بالكامل من أكثر الفرضيات اختبارًا في تاريخ الحروب الحديثة، ولم تُسفِر أربعون ألف طن من القنابل الألمانية التي أُلقيت على لندن خلال الحرب العالمية الثانية، إلا عن تعزيز إرادة البريطانيين في المقاومة. أما المليون ونصف المليون طن من القنابل التي أسقطها الحلفاء على ألمانيا، فقد ألحقت أضرارًا جسيمة وفرضت خيارات صعبة على نظام أدولف هتلر، لكنها لم تُجبره على الانهيار.

وبالمثل، لم تُحقق ثمانية ملايين طن من القنابل التي أسقطتها الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام، الكثير، بل ربما كانت نتائجها عكسية، إذ أسهمت في ضمان دعم المدنيين لأهداف الحرب الشيوعية، بينما أدت إلى نفور الرأي العام الأمريكي.

حتى الآن، من المستحيل، مهما بلغ مستوى القصف الجوي باستثناء استخدام الأسلحة النووية، إسقاط نظام من الجو. وأقرب ما وصلت إليه أي عملية عسكرية هو حملة الناتو ضد صربيا بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش، ولكن حتى عندما توقّف القصف في يونيو 1999، سقط نظام ميلوسيفيتش في مظاهرات حاشدة في أكتوبر 2000.

عجز ترامب

كانت فرص انهيار النظام الإيراني بالكامل باستخدام القوة الجوية ضئيلة للغاية، لذا كان التحدي التالي الذي طُلب من الجيش الأمريكي، والذي بدا مستحيلًا، هو تحييد قدرات إيران الصاروخية الباليستية وطائراتها المُسيّرة، وذلك أيضًا من الجو.

لكن هذه المهمة جُرِّبَت مرارًا وتكرارًا من قبل، ولم تنجح قط. فقد حاولت تحالفات دولية متعددة إسكات صواريخ الحوثيين وطائراتهم المُسيّرة التي تُطلَق من اليمن، إلا أن عمليات الإطلاق لا تزال مستمرة. وحتى مع استخدام الذخائر الدقيقة، يبدو من غير الممكن، جوًا فقط، تدمير ما يكفي من منصات الإطلاق المتنقلة، القادرة على الإطلاق من مواقع مخفية ثم الانتقال بسرعة إلى مواقع جديدة، لإنهاء حملة الطائرات المُسيّرة أو الصواريخ.

وكما هو الحال مع انهيار الأنظمة، يبدو أن إيقاف الصواريخ يتطلب تدخلًا بريًا.

وفي ظل بيئة لا تزال فيها الطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية أرخص وأسرع إنتاجًا بكثير من وسائل اعتراضها، كان من المُرجَّح دائمًا أن تُشبع إيران في نهاية المطاف القدرات الدفاعية في المنطقة، مهمة مستحيلة أخرى لن تُنقِذ فشل مهمتين سابقتين.

تشير "فورين بوليسي" إلى أنه "إذا كان ترامب عاجزًا عن إدراك خطورة مطالبة الجيش الأمريكي بإنجاز المستحيل، فكان من واجب وزير حربه تنبيهه إلى ذلك. لكنه لم يختر وزير دفاع خبيرًا وكفؤًا، بل اختار مُتملِّقًا مُخلِصًا، ازداد ولاؤه بسبب عدم كفاءته الواضحة، وهو بيت هيجسيث".

بدوره، بذل هيجسيث جهودًا مضنية لتطهير الرُتب العليا من أي شخص يُحتمَل أن يُبدي رأيًا مُخالفًا "نهج هيجسيث كان يعني أن البنتاجون لن يُعارض أبدًا عجز الرئيس. وتشير التقارير إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بذل جهدًا رمزيًا للإشارة إلى الصعوبة قبل أن يطغى عليه حماس هيجسيث".

هكذا "اتضح أن انتخاب قائد أقوى جيش في العالم ليس كاختيار مُقدَّم برنامج تلفزيوني واقعي"، حسب التحليل.