الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

عبدالسلام النابلسي.. حضور أكبر من مساحة الدور الثاني

  • مشاركة :
post-title
الفنان الراحل عبد السلام النابلسي

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

لم يحتجْ الفنان عبدالسلام النابلسي إلى البطولة المطلقة حتى يصبح واحدًا من أبرز نجوم السينما المصرية، فمساحته على الشاشة كانت دائمًا أكبر من حجم الدور المكتوب له، وحضوره كان قادرًا على منح أي عمل طابعًا خاصًا، بفضل أدائه المميز وخفة ظله وقدرته على تقديم الشخصيات الكوميدية بأسلوب مختلف.

وفي ذكرى ميلاده اليوم، نستعرض سيرة واحد من أبرز فناني زمن الفن الجميل، الذي نجح في تحويل أدوار الصديق والمساند إلى شخصيات لا تقل حضورًا عن أبطال العمل، ليصبح اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ السينما المصرية.

وُلد عبدالسلام النابلسي عام 1913 في لبنان لعائلة ذات أصول فلسطينية سورية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة في شبابه، وهناك بدأ مرحلة جديدة من حياته، التحق بالأزهر الشريف، وحفظ القرآن الكريم، وأتقن اللغة العربية، كما أتقن الفرنسية والإنجليزية، وهو ما ساعده لاحقًا في تكوين شخصية ثقافية وفنية مميزة.

بدايات النابلسي 

لم يكن دخول النابلسي إلى عالم الفن خطوة مخططًا لها منذ البداية، لكنه اقترب تدريجيًا من الوسط الفني، وبدأ مشواره السينمائي خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

وسرعان ما لفت الأنظار بقدرته على تقديم الشخصيات الكوميدية بصورة تعتمد على سرعة الاستجابة والتلقائية والحضور، بعيدًا عن الأداء المبالغ فيه، ليجد لنفسه مكانًا بين أبرز نجوم الصف الثاني في السينما المصرية.

ورغم أن معظم أدواره لم تكن في صدارة البطولة، فإن النابلسي استطاع أن يجعل الشخصية التي يقدمها مؤثرة في سياق الأحداث، فكان وجوده يضيف للعمل حالة من الحيوية، كما نجح في تكوين أسلوب خاص جعله مطلوبًا في العديد من الأفلام.

كما ارتبط اسمه لفترة طويلة بلقب "أشهر عازب في الوسط الفني"، قبل أن يتزوج في سنواته الأخيرة من جورجيت سبات، إحدى معجباته.

علاقته بفريد الأطرش

شكَّلت علاقة عبدالسلام النابلسي بالفنان فريد الأطرش واحدة من أبرز محطات حياته الفنية، بعدما جمعتهما مجموعة من الأعمال التي حققت نجاحًا كبيرًا.

وشكَّل الثنائي تركيبة مميزة على الشاشة، فكان فريد الأطرش يتصدر البطولة ويقدم أغنياته، بينما يضفي النابلسي على الأحداث جانبًا كوميديًا وحضورًا مختلفًا.

ومن أبرز الأفلام التي جمعتهما "أنت حبيبي"، و"لحن حبي"، و"عفريتة هانم"، و"إزاي أنساك"، و"عهد الهوى"، و"انتصار الشباب"، وغيرها من الأعمال التي تركت حضورًا واضحًا في السينما المصرية.

ولم تقتصر علاقتهما على العمل، إذ تحولت الصداقة بينهما إلى علاقة إنسانية قوية، خاصة خلال السنوات الأخيرة من حياة النابلسي، عندما مرَّ بأزمات صحية ومالية صعبة.

وحرص فريد الأطرش على مساندة صديقه ومساعدته في أزمته، سواء على المستوى المادي أو في ما يتعلق بعلاجه، خاصة بعدما اتضح أن المتاعب الصحية التي كان يعاني منها مرتبطة بالقلب.

صداقة مع العندليب

كما جمع عبدالسلام النابلسي بالفنان عبدالحليم حافظ تعاون فني ترك عددًا من الأعمال المهمة في تاريخ السينما الغنائية.

بدأت لقاءاتهما من خلال فيلم "ليالي الحب" عام 1955، ثم عادا للعمل معًا في فيلم "فتى أحلامي" عام 1957.

وفي عام 1958، شارك النابلسي في فيلم "شارع الحب"، وقدم شخصية "حسب الله السادس عشر"، التي أصبحت من أشهر الشخصيات التي جسدها خلال مسيرته الفنية، لما تميزت به من حضور لافت وتركيبة خاصة.

كما ظهر مع عبدالحليم حافظ في فيلم "حكاية حب"، من خلال شخصية "رفعت السناكحلي"، الذي يجسد دور صديق يحاول توجيه عبدالحليم بعيدًا عن التمثيل وتشجيعه على الغناء.

وكان آخر تعاون سينمائي بينهما في فيلم "يوم من عمري"، الذي جمع عبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت، وقدم خلاله النابلسي شخصية المصور الصحفي "يونس".

حضور أكبر من مساحة الدور

استطاع عبدالسلام النابلسي أن يثبت أن أهمية الفنان لا تقاس بعدد مشاهد البطولة التي يقدمها، وإنما بمدى تأثير الشخصية التي يجسدها في العمل.

فقد امتلك قدرة خاصة على منح الشخصيات الثانوية تفاصيل تجعلها أكثر قربًا من الجمهور، كما كان بارعًا في التعامل مع إيقاع المشهد وتقديم الكوميديا من خلال الأداء والتعبير وسرعة الاستجابة.

ومن أبرز أعماله "حبيب العمر"، و"لحن الخلود"، و"عفريتة هانم"، و"شارع الحب"، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأفلام التي تنوعت خلالها أدواره، لكنه حافظ في كل منها على حضوره الخاص.

سنوات صعبة في نهاية حياته

لم تكن السنوات الأخيرة من حياة عبدالسلام النابلسي بنفس نجاح بداياته، إذ تعرض لأزمات مالية صعبة دفعته إلى مغادرة مصر والاستقرار في لبنان.

وفي بيروت حاول استكمال نشاطه الفني، وتولى إدارة الشركة المتحدة للأفلام عام 1963، إلا أن الظروف لم تكن في صالحه، وتعرض لأزمة مالية انتهت بإعلانه الإفلاس، بالتزامن مع تدهور حالته الصحية.

وفي 5 يوليو 1968، رحل عبدالسلام النابلسي عن عمر ناهز 54 عامًا، بعد مسيرة فنية ترك خلالها عددًا كبيرًا من الشخصيات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.

ورغم مرور عقود على رحيله، ظل النابلسي واحدًا من أبرز نجوم الأدوار الثانية في تاريخ السينما المصرية، بعدما أثبت أن الفنان يستطيع أن يصنع لنفسه مكانة كبيرة حتى من خارج دائرة البطولة التقليدية، وأن بعض الشخصيات تبقى في الذاكرة بفضل صاحبها أكثر مما تبقى بسبب مساحة الدور.